الـمــؤتـمــر الـليـبـي للامــازيـغــيـة

 

 

Libyan Tmazight Congress

  Agraw a'Libi n'Tmazight  

 

المؤتمر الليبي للامازيغية  منظمة ليبية تعنى بالمسألة الامازيغية والدفاع عن حقوق المتحدثين باللغة الامازيغية عبر الانخراط في العمل النضالي الوطني لاقامة بديل دستوري ديمقراطي. تأسس المؤتمر في 17 سبتمبر 2000، ولظروف الوطن  يتخذ المؤتمر المهجر قاعدة لاعماله

 

 

المؤتمر

اصدرات

وثائق وتقارير

امازيغيات

الطوارق

اباضيات

شخصيات

متابعات

أس انغ

بريد الامازيغية

جمعية تانميرت

روابط

.

.]

.

.

ززز

.

ز

ز

 

 

.

ما يرد على صفحات

الموقع لا يعبر بالضرورة على رأي المؤتمر

 

 

 

 

 

.



.

الأقليات و المرأة فى العالم العربي

 سـلسـلـة حـوارات خـلــدونـيـة

المصدر: مركز ابن خلدون للدراسات الانسانية


 

ســلـســـلــة حــــــوارات خــلــدونـيـة (5)

 

الأقليات و المرأة فى العالم العربي

      الأقباط و الشيعة فى مصر،  دارفور فى السودان، الشيعة و السنة فى العراق، المرأة فى مصر وفى العراق

 

فهرس المحتويات

·        مقدمة .........................................................( 5 )

·        الأقباط و الشيعة فى مصر ...................................( 9 )

·        دارفور فى السودان...........................................(37)

·        الشيعة و السنة فى العراق..................................(49)

·       المرأة فى مصر وفى العراق...................................(57)

 

مـــــقدمــــــــة

الأكثر إنجازاً هم الأكثر اضطهاداً في الوطن العربي

من المفارقات الجديرة بالتأمل هي أن أقباط مصر خصوصاً، ومسيحيوا الشرق عموماً، كانوا طلائع النهضة العربية الحديثة، منذ بدأت، قبل قرنين ـ أي في أعقاب الحملة الفرنسية، ومع عهد محمد على الكبير. وكلاهما كانت له بصمات بارزة على مصر والشام معاً (أو المشرق، الذي شمل وقتها فلسطين وسوريا ولبنان والأردن والعراق).

فرغم أن التأثير كان شاملاً لجميع سكان وشعوب المنطقة الممتدة من الفرات إلى النيل، بمسلميها ومسيحيها ويهودها، إلا أن غير المسلمين كانوا الأسبق استفادة من رياح التغيير التي هبت مع مقدم نابليون وحكم محمد علي، فقد أذنت رياح التغيير هذه بانكسار جدران التفرقة الدينية، التي كرّسها نظام "الملل"، العثماني، الذي كان تطويراً لنظام "أهل الذمة"، الذي ساد في القرون الإسلامية الأولى (من السابع إلى الرابع عشر). أن مفهومي "أهل الذمة" أو "الملة"، يعطي لغير المسلمين حقوق الحماية والرعاية وحرية ممارسة عباداتهم وشعائرهم، مقابل أداء "الجزية". ولم يكن غير المسلمين، بهذا المعنى يتمتعون بكامل حقوق المسلمين، الذين أعتبروا أنفسهم "أغلبية غازية"، فتحت بلاد غير المسلمين بالسيف. وبالتالي برروا سيادتهم عليهم. وربما كان هذا شائعاً ومقبولاً، في العصور الوسطى، حيث كان الدين هم المحدد الأساسي ، لا فقط لعضوية الهيئة الاجتماعية (المجتمع)، ولكن أيضاً "التراتبية"، أي الموقع الرأسي في الهرم الاجتماعي. وطبيعي، أنه بمجرد أخذ مصر، وبعدها بلدان الشرق العربي بمفهوم "المواطنة"، أي المساواة بين الناس في الحقوق الواجبات بدون تمييز على أساس الدين، فإن غير المسلمين، بدأوا يتركون الأحياء السكنية، التي كانوا يتركزون فيها ـ مثل حارة النصارى، وحارة اليهود، وحارة الأرمن، ويختلطون في سكنهم ومعاشهم مع الأغلبية من المسلمين. وبدأ أطفالهم يذهبون إلى نفس المدارس، وشبابهم يؤدي واجب الجندية، أسوة بالمسلمين، وكذلك لأول مرة، منذ الفتح العربي الإسلامي (أي قبل اثنى عشر قرناً)، تقلد كبارهم الوظائف العامة، بما في ذلك منصب رئيس الوزراء، مثل نوبار باشا (الأرمني الأصل)، وبطرس غالي، ويوسف وهبه، مصر، وفارس الخوري، كأول رئيس وزراء سوري قبل الاستقلال، في أربعينات القرن الماضي. هذا فضلاً عن أن معظم أبناء أقباط مصر ومسيحيوا الشرق في المجرى الرئيسي للحياة العامة ، سياسياً واقتصادياً وثقافياً. فساهموا في السينما. ونبغ منهم الأطباء والعلماء والمهندسون والمحامون وأساتذة الجامعات. ويؤكد المؤرخون أن العصر الليبرالي، الذي بدأ من أوائل القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، هو العهد الذهبي للأقباط وكل الأقليات في مصر والعالم العربي.

بل وكان نفس ذلك العصر الليبرالي هو العهد الذهبي للنساء في مصر. فمنذ كتب قاسم أمين كتابه "تحرير المرأة" (1892)، بدأ نساء مصر يسعين على تبوأ مكانتهم المتكافأة مع الرجال. وكانت ثورة 1919 نقطة فارقة في هذه المسيرة. فقد خرجت طلائع النساء، أسوة بالرجال، لمواجهة جنود الاحتلال البريطاني، ويطالبن بالاستقلال وسقطت منهن الشهيدات، اللائي كان أولهن شفيقة بنت محمد في حي المنيرة بالقاهرة، في 24 مارس 1919. وقادت هدى شعراوي حركة نسائية نشطة، حصلت للنساء المصريات عن حقوقهن في التعليم، والسفور وتقلد المناصب العامة، لكن هذه الحركة النسائية الواعدة، جرى "تأميمها" مع ثورة يوليو 1952. فرغم تعاطف عامة الضباط الشباب الذين قادوا الثورة، إلا أنهم، ربما بسبب خلفيتهم العسكرية، لم يطبقوا معظم مبادئ حركتهم. انطبق ذلك على الحركة النسائية، كما على الحركة العمالية، كما على الحركة الطلابية، وعلى النقابات المهنية، الجمعيات والأحزاب. وكان لسان حال ضباط حركة يوليو يقول "ظلوا في منازلكم، ومصانعكم ومدارسكم، ونحن سنقوم بالواجب نيابة عنكم". وبالفعل أدت ثورة يوليو خدمات جليلة لكل هذه الفئات، ولكن مقابل ثمن اجتماعي ومعنوي باهظ، ألا وهو سلب كل هذه الفئات الاستقلالية والحركة والمبادرة.

وهكذا منذ يوليو، 1952، ودّعت النساء المصريات والأقباط المصريون العصر الليبرالي الذي أينعوا فيه، من خلال أرباح، ومكاسب متراكمة. وأدخلوا عصراً جديداً، مما كانت أدق تسمية له، هو العصر "الشعبوي"، حيث رفع العسكريون الجدد شعارات شعبية جذابة لكل الفئات، مقابل ألا يتحركوا أو يتكلموا إلا بأوامر السلطة وتعليماتها. أي أن المبادرة، أو المشاركة التي صنعت العصر الليبرالي (1800-1952) استبدلها الامتثال والطاعة والتعبئة، في العصر الشعبوي (1952-2000) الذي هيمن عليه العسكريون.

والجدير بالذكر أن خطى الأقباط والنساء قد تحركا معاً، صعوداً، وجموداً، وهبوطاً، طوال القرنين الأخيرين ـ لا فقط في مواجهة سلطة الدولة، ولكن أيضاً في مواجهة القوى الاجتماعية المحافظة والرجعية. ومن المفارقات أن هذه الأخيرة كان تشددها وافتئاتها على حقوق النساء والأقباط بنفس الضراوة التي مارستها السلطة الرسمية. ولا اصدق على ذلك من الانتخابات التشريعية في العقود الخمسة الأخيرة. فالنظام الشعبوي المسيطر على جهاز الدولة اختلق لنفسه تنظيم سياسي، أقرب إلى نظام الحزب الواحد. وقد سماه حينا "بالاتحاد القومي"، وحيناً تالياً "بالاتحاد الاشتراكي" وأخيراً سماه "بالحزب الوطني الديمقراطي". وتزامنت هذه التسمية الأخيرة مع الأخذ من جديد بنظام تعدد الأحزاب، أواخر سبعينات القرن الماضي. ولكن التنظيم السياسي ، تحت أي مسمى، عزف غالباً عن ترشيح الأقباط والنساء لعضوية المجالس الشعبية المنتخبة. وكان ذلك نموذجاً صارخاً لتعصب السلطة. ولكن حتى في المرات الاستثنائية التي قام فيها حزب السلطة (أي ما يدعى أنه حزب الأغلبية) لقلة من النساء والأقباط، كما حدث مثلاً في الانتخابات الأخيرة، عام 2005، فإن الجماهير تخذل هؤلاء المرشحين والمرشحات. لم يتم إلا ترشيح أربعة أقباط، نجح منهم واحد فقط، وهو يوسف بطرس غالي (وزير المالية)، وترشيح ست نساء، لم ينجح منهن إلا اثنين ، بينهم الوزيرة السابقة آمال عثمان، أي أننا هنا بصدد ظاهرة تنطوي على الازدواج والتقصير أو التجاهل الرسمي لحزب السلطة، مع التعصب الشعبي ضد النساء والأقباط. ويبدو أن الأمرين وجهين لنفس العملة، حيث من الصعب معرفة أيهما  السبب وأيهما النتيجة.

من ذلك أننا لو قارنا هذا المشهد البائس عام 2005 بمثيله قبل ستين عاماً، مع أول انتخابات برلمانية في أعقاب دستور 1923. رغم أن نسبة الأمية كانت ضعف مثيلتها، ولم تكن هناك وسائل إعلام جماهيرية على نفس النطاق أو المستوى، إلا أن حزب الوفد كان يرشح عشرات الأقباط لمقاعد البرلمان في كل أنحاء مصر، في ذلك دوائر لا يوجد فيها ناخبون أقباط، ومع ذلك كانوا يفوزون بامتياز. ولم يقل عدد النواب الأقباط في البرلمانات المصرية المنتخبة قبل عام 1952، عن خمسة عشر في المائة، رغم أن نسبة الأقباط من عموم السكان لم تكن تتجاوز عشرة في المائة. أي أن الأقباط كانوا ممثلين بأكثر مما كانوا يتوقعون. وحقيقة الأمر أنه في ذلك العهد الليبرالي، لم يكن الأمر الديني أو الطائفي مطروحاً أو مُلحاً في ذلك الوقت. فقد كانت "المواطنة" والانتماء السياسي يجبان "الديانة"  والانتماء الطائفي. ولكن تغيرت الأمور وتبدلت الأحوال إلى ما هو أدنى وأسوأ. وربما كان لنمو الحركات الدينية المتشددة، أو ما يسمى "بالإسلام السياسي" دور في هذا التدهور.

ومع ذلك فإن هذا الكاتب على يقين أنه باستعادة الأجواء الليبرالية وتكريس الحركات العامة، سيعود المجتمع المصري، ومعه بقية الوطن العربي، إلى سيرته الليبرالية الأولى.

ولعل هذا اليقين يصل إلى من سيقرأ هذا الكتاب. فهو تجميع لتأملات واجتهادات، عبّرنا عنها في سلسلة من المقالات التي نُشرت في الصحف المصرية والعربية، خلال السنوات الثلاث التي أعقبت تبرئتنا وخروجنا من سجون مبارك (2000-2003). وعلى الله قصد السبيل.

 

د. سعد الدين ابراهيم

القاهرة: 10/1/2006

 

 


 

الأقباط و الشيعة فى مصر

 أين مجلس الشعب من التعصب الديني

 في مصر المحروسة؟

د. سعد الدين ابراهيم

أغسطس 2004

 

جاء إلى مصر في المدة من 18 إلى 20 يوليو، وفد أمريكي من لجنة الحريات الدينية في الكونجرس الأمريكي لتقصي الحقائق حول هذه الحريات في مصر. ورغم أن مثل هذه الوفود تأتي إلى مصر وغيرها من البلدان التي تتلقي معونات أمريكية، بصفة دورية، وتقابل كل من تطلب مقابلتهم من وزراء، ورجال دين، وبرلمانيين، ونشطاء المجتمع المدني وحقوق الإنسان، إلا أن الصحافة الرسمية والمعارضة تمتلأ عادة بالتعليقات التي تهاجم هذه اللجنة، واعتبار مهمتها تدخلاً صارخاً في الشئون الداخلية المصرية. وضمن حملات الهجوم هذه على اللجنة تتردد عادة تأكيدات بأن مصر "نسيج واحد"، و"سبيكة وطنية ذهبية من التبر الخالص"، وأن شعبها لا يعرف التعصب ولا التفرقة الدينية. بل ويتطوع أو يدفع حتى بعض قيادات أبناء الطوائف والجماعات التي لها مشكلات وهموم، إما بإنكار وجودها أصلاً، أو أنهم يتولون علاجها مع الأغلبية والمسئولين، بسلاسة ويسر. أي أن كل شيء على ما يرام في مصر المحروسة!

وطبعاً ينطوي هذا المشهد السنوي على خداع جماعي لا يصدقه كثيرون.

 فمن ناحية لا تأتي هذه اللجنة إلا بموافقة صريحة من الحكومة المصرية. وحتى إذا لم تكن الحكومة راغبة أو مقتنعة بمهمتها، فإنها لا تفصح صراحة عن ذلك، مخافة أن تخسر جزءاً من المعونة التي تتلقاها سنوياً، أو المعونة بأكملها، والتي تصل إلى حوالي 13 مليار جنيه مصري، أو بليوني دولار أمريكي.

ومن ناحية ثانية، فمجرد رفض زيارة اللجنة، حتى إذا لم تكن الحكومة في حاجة إلى هذه المعونة السنوية، معناه أن هناك ما تحاول أن تخفيه أو تتستر عليه، أو كما يذهب المثل الشعبي كمن "على رأسه بطحه يمعن في التحسيس عليها". ومن ثم تكابر الحكومة وتحشد الرأي العام للمزايدة عليها في إنكار وجود أي مشكلات بالمرة!

من ناحية ثالثة، لا تقوم الحكومة المصرية بإعلام الناس أن لجنة الحريات الدينية، مثلها مثل وفود البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لا تأتي إلى أي بلد إلا لأن لديه مشكله حقيقية، قد نختلف على حجمها، أو درجة خطورتها، أو أسبابها أو طرق علاجها. ولكن وجود المشكلة يستدل عليه من أعراض عديدة هي التي تدفع هذه الوفود إلى المجئ إلى بلادنا. وذلك مثل شكاوى مواطنين مصريين من الداخل أو في المهجر، أو وقوع أحداث طائفية عنيفة يكتب عنها الإعلام أو منظمات حقوقية مصرية أو دولية ـ مثل أحداث الكشح أو كفر دميانة أو عزبة الأقباط.

طبعاً كنا نتمنى أن تكون مصر المحروسة فعلاً بلا أي مشكلات دينية أو طائفية. وحتى ثلاثة وثلاثين عاماً مضت كانت مصر فعلاً بلا مشكلات تذكر من هذا النوع. ولكن ابتداء من عام 1971 بدأت مثل هذه المشكلات تظهر في الساحة المصرية بشكل محسوس، ولكنه غير خطير، في البداية فقد وقع تحرش بين مسلمين وأقباط في بلدة الخانكة، بمحافظة القليوبية، حول قيام أقباط البلدة بممارسة طقوسهم الدينية في أحد أنديتهم الاجتماعية، نتيجة عدم وجود كنيسة يتعبدون فيها في المنطقة. واعترض على ذلك بعض جيران مسلمين، تذرعوا بوجود "قانون" يمنع استخدام أي مبنى ككنيسة دون "تصريح رسمي". وهذا صحيح، وهو إشارة إلى القانون الذي يعود إلى مرسوم عثماني، يُعرف باسم "الخط الهمايوني" صدر في القرن التاسع عشر لتنظيم العلاقات بين الملل والنحل، التي كانت تمتلأ بهم الامبراطورية العثمانية. وقد اختفت الامبراطورية العثمانية ومعها الخط الهمايوني من كل بلدانها، إلا أنه بقي في مصر المحروسة، وهو أحد أهم أسباب ظهور التوتر دورياً بين الأقباط المصريين وأجهزة السلطة.

ولأن حادث الخانكة رغم محدوديته، حيث لم يقتل أو يصاب فيه أحد بجروح خطيرة، إلا أن مصر كلها إنفعلت به. فقد كان هذا هو أول حادث طائفي من نوعه خلال ما يقرب من سبعين عاماً. وجاء في لحظة تاريخية حرجة، حيث كانت مصر ما زالت تلعق عار هزيمة 1967، وتستعد لحرب تحرير أرضها المحتلة في سيناء. لذلك عقد مجلس الشعب جلسة خاصة لمناقشة ما حدث في الخانكة، وكوّن لجنة تقصي حقائق على أعلى مستوى برئاسة د.جمال العطيفي، وكيل مجلس الشعب آنذاك، وهو قاضي سابق ورجل قانون رفيع المستوى. وضمت لجنة تقصي الحقائق علماء اجتماع وتربية وعلم نفس ورجال أمن ودين مسلمين ومسيحيين. وذهبت اللجنة إلى موقع الحدث، ثم إلى مواقع أخرى مشابهة في الوجهين البحري والقبلي، وحرصت اللجنة في تقريرها إلى مجلس الشعب إلى توثيق ما حدث بدقة وتفصيل. وأهم من ذلك فأن اللجنة قدمت تشخصياً ضافياً للمشكلة الطائفية في ذلك الوقت، وقدمت عشرين توصية لعلاجها. وقد أقر مجلس الشعب التوصيات العشرين لتقرير العطيفي. وشكر اللجنة على عملها الجليل وكان ذلك في ديسمبر 1971.

مر على تقرير العطيفي 33 سنة. ولم يتم تنفيذ توصية واحدة من وصاياه العشرين. ورغم أن التقرير نبّه في مقدمته وخاتمنه أنه ما لم تؤخذ هذه التوصيات مأخذ الجد ويتم تحويلها إلى سياسات تنفيذية، فإن حادثاً بسيطاً مثل حادث الخانكة يمكن أن يتكرر ويتضخم. وهذا للأسف ما حدث بالفعل. فمنذ حادث الخانكة عام 1971، وقع أكثر من 60 حادثاً طائفياً، كان كل منها أسوأ من سابقه، وكانت الذروة في الكشح، محافظة سوهاج في رأس سنة 2000.

نعم، نحن لا نحتاج إلى لجان تقصي حقائق من الخارج. ولن تستطيع أي لجنة خارجية أن تستقصي وتشخص وتقترح علاجاً أفضل مما فعلته لجنة العطيفي، قبل ثلاثة وثلاثين عاماً. أن للتدهور في مصر ألف وجه ووجه. من هذه الوجوه أن مجالس الشعب السبعة التالية للمجلس الذي ضم أمثال جمال العطيفي، لم تحرك ساكناً لتقصي الحقائق في الأحداث الطائفية الستين التي وقعت في العقود الثلاثة الأخيرة. بل ولم يكلف أي من تلك المجالس خاطره لنفض الغبار عن تقرير العطيفي والمطالبة بتنفيذ توصياته العشرين، التي ما تزال إلى يومنا هذا صالحاً تماماً. إنني أُنبه المسئولين في مصر المحروسة إلى أحد نقاط الإنفجار الكثيرة المحتملة، وهي قرية "نزلة حنا" ، مركز الفشن، محافظة بني سويف في صعيد مصر. وفي عام 1960، كان عدد أقباط تلك القرية لا يتجاوزألفين شخص، وقد تضاعف عددهم الآن إلى أكثر من أربعة آلاف. ولا توجد لديهم كنيسة واحدة يتعبدون فيها، رغم طلب تقدموا به لهذا الغرض عام 1960. وتبرع أحد أعيان القرية، وهو توفيق دوس المحامي، بستة قراريط لبناء الكنيسة. وقد زار البابا كيروس السادس الموقع، وباركه منذ أربعة وأربعين عاماً. وقد تبرع نفس فاعل الخير الموسر بأرض مماثلة لبناء مسجد لمسلمي القرية، وتم بنائه فعلاً منذ ثلاثين عاماً. ولكن بناء كنيسة نزلة حنا ما زال متعثراً في المكاتب الأمنية. لقد انتقل الرجل إلى الرفيق الأعلى منذ عدة أسابيع قبل أن يتحقق أمل حياته في بناء كنيسة لأبناء قريته من الأقباط، أسوة باخوتهم المسلمين الذين ينعمون بالتعبد في المسجد الذي بناه لهم هو أيضاً.

لقد قرأت نص رسالة الدكتور شريف توفيق دوس، نجل المرحوم توفيق دوس، في صحيفة صوت الأمة، وهي رسالة تفيض باللوعة والألم والغضب، فما صادفه الابن المكلوم من تعنت وابتزاز من المسئولين عن صفحة الوفيات في صحيفة الأهرام، هو أمر لا يصدق. فقد أرسل الابن إلى الصحيفة نعياً لأبيه يبدأ بالبسملة المسيحية المأثورة "باسم الأب والابن والروح القدس، الاله الواحد، آمين" وأصر ذلك المسئول على حذف هذا المأثور المسيحي من النعي، وادعى أن ذلك تنفيذاً "للتعليمات". وعبثاً حاول د. شريف دوس أن يعرف ممن صدرت هذه التعليمات، دون جدوى. وعبثاً حاول أن يحاجج ذلك المسئول، إن ما يطلب حذفه هو بمثابة أن يطلب من أخيه المسلم حذف البسملة القرآنية (بسم الله الرحمن الرحيم). وهدد مندوب النشر بعدم نشر النعي المدفوع الثمن مقدماً، ما لم يوافق د. شريف دوس على إلغاء البسملة المسيحية من نعي شخص مسيحي، في صحيفة اسسها في الأصل مسيحيون. قرأت القصة وأدركت أن التعصب داء استشرى في دماء وعقول كثير من المصريين المعاصرين. إن الأستاذ إبراهيم نافع هو رئيس تحرير هذه الصحيفة. فأرجو أن يكون قد قرأ الرسالة الموجهة إليه لشكوى من د. شريف دوس. وأرجو أن يجري تحقيقاً في الأمر، وينشر نتائج هذا التحقيق. لقد كان إبراهيم نافع يرأس لجنة للتسامح والإخاء الديني في التسعينيات. وهو يرأس الآن لجنة أخرى لمناهضة العنصرية. فإذا كان يأمل أن يصدق الناس مساعيه الحميدة، فعليه أن يبدأ بمناهضة التعصب والعنصرية في عقر داره نفسها.

وعلينا نحن كمصريين وعرب أن يكون لدينا من الشجاعة والنزاهة والإنصاف أن نصلح بيوتنا من الداخل، وبأيدينا، قبل أن تمتد يد عمرو الأمريكاني، أو عمرو الفرنساوي، أو عمرو الهندي.

ولا حول ولا قوة إلا بالله


 

متى يستكمل أقباطنا حقوق المواطنة؟

د. سعد الدين ابراهيم

ديسمبر 2004

 

في عام 1973 وقع حادث طائفي صغير في بلدة الخانكة بالقليوبية. كان عبارة عن احتجاج بعض المسلمين المتشددين على قيام أقباط من أهل الخانكة بإقامة شعائر دينية في مقر نادي ثقافي قبطي. وهو ما اعتبره هؤلاء المسلمين المتشددين تحايلاً من الأخوة الأقباط لتحويل نادي ثقافي إلى مكان للعبادة دون حصول على موافقة قانونية ببناء أو تحويل النادي إلى كنيسة، فتعرضوا لهم، وحدثت مواجهة أدت إلى إشعال النار في مبنى النادي الثقافي القبطي، وهو ما دفع عدداً كبيراً من الأقباط لتنظيم مسيرة، يقودها قساوسة ورهبان من الإبراشيات المجاورة، احتجاجاً على ما حدث لناديهم الثقافي، الذي كانوا يتعبدون فيه دورياً، لعدم وجود كنائس قريبة من ذلك الموقع في تلك الأيام. ورغم أن الأمر قد تم احتوائه، ولم يترتب عنه قتلى أو جرحى، إلا أنه هزّ المجتمع المصري من أدناه إلى أقصاه. وعقد مجلس الشعب جلسة طارئة لمناقشة ذلك الحدث الطائفي. وشكّل لجنة رفيعة المستوى من أعضائه برئاسة وكيل المجلس آنذاك وهو الدكتور جمال العطيفي لتقصي الحقائق والتوصية بسياسات تكفل عدم تكرار مثل هذا الحدث وجابت اللجنة أرض الخانكة، واستمعت إلى شهادات مئات المواطنين والخبراء ورجال الدين الإسلامي والمسيحي. وانتهت اللجنة في تقريرها إلى مجلس الشعب بعشر وصايا تمس القوانين والقواعد والأعراف التي تنظم بناء الكنائس ودور العبادة ومناهج التعليم والإعلام والثقافة. وكانت في مجملها وجوهرها ترمي إلى تفعيل مواد الدستور التي تنص على المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين المصريين، بلا تمييز في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة (المادة 40). وكان ضمن ذلك التوصية أن تسري نفس القواعد والإجراءات التي تنظم حقوق بناء المساجد على الكنائس ودور العبادة لغير المسلمين، وتنقية مناهج التعليم وبرامج الإعلام من كل ما يسئ لغير المسلمين من أبناء الوطن المصري الواحد.

ونبّهت لجنة مجلس الشعب، التي أصبحت تُعرف باسم "لجنة العطيفي"، إلى أنه ما لم تؤخذ هذه التوصيات مأخذ الجد، ويتم تنفيذها بواسطة الأجهزة المعنية، فإن أحداثاً طائفية مماثلة كما حدث في الخانكة ستقع مراراً وتكراراً. وعبّرت اللجنة كتابة وأثناء عرضها للتقرير على مجلس الشعب شفاهة عن مخاوفها من تفاقم مثل هذه الأحداث مستقبلاً، إذا تجاهلت الأجهزة المعنية توصيات اللجنة.

ولم تأخذ الأجهزة التنفيذية توصيات "لجنة العطيفي" مأخذ الجد.

وتحقق ما تنبأت به اللجنة. وتفاقمت الأحداث الطائفية.

ووقع منها، مما سجلته الصحافة الرسمية، حوالي سبعين حادثاً، كان آخرها الأحداث التي وقعت في البحيرة وسمالوط وأسيوط، خلال شهر سبتمبر 2004.

وكما توقعت لجنة العطيفي كان كل حادث أشد وطأة وتأزماً من سابقيه.

والشاهد هو أن تكرار تلك الأحداث، وهي بمعدل حادثتين سنوياً، منذ تقرير العطيفي، أصبح يتسم بنفس الطابع: واقعة عادية لأفراد، يكون أحدهما قبطياً والآخر مسلماً، يتطور الخلاف فيها إلى توتر، ثم إلى شجار، وسرعان ما يتدخل فيه آخرون، لا بقصد التوفيق، ولكن انتصاراً لطرف ضد الآخر. وعند هذه اللحظة الحرجة، يكفي أن يتصارع أحدهم بكلمتي مسلم ومسيحي، حتى يشتعل الموقف، ويستنفر كل طرف ما تيسر له من أبناء هذا الدين أو ذاك. ويتحول ما بدأ كخلاف شخصي أو فردي، إلى مواجهة جماعية صراعية، قد لا يعرف المشاركين فيها بعضهم البعض أو حتى كيف بدأت الواقعة. ويزيد الطين بلة عادة التدخل الشديد للأجهزة الأمنية، التي لا يتمتع أفرادها بالمعرفة والحكمة اللازمة لإدارة مثل هذه الأمور بنضج وحساسية. كما أن بعض العاملين في هذه الأجهزة كثيراً ما يخلطون بين دواعي المحافظة على الأمن بسنوح فرصهم لتسوية حسابات قديمة مع واحد أو أكثر من الفرقاء.

          إن تكرار هذه الأحداث الطائفية، بوتيرة متسارعة وبأحجام أكبر منذ حادث الخانكة، ورغم تقرير العطيفي عام 1972، يعني أن هناك عطباً في تعامل الدولة والمجتمع مع المسألة القبطية، طوال الثلاثين عاماً الماضية، إن لم يكن طوال النصف قرن الأخير كله.

فالدولة تجاهلت توصيات لجنة العطيفي، وسلمت ملف الأقباط لأحد أجهزتها الأمنية، كما لو كان الأقباط يمثلون خطراً أو تهديداً للأمن القومي المصري، أو كما لو كانوا جالية أجنبية، تعيش في مصر، دون أن تشعر بالانتماء لها أو الإخلاص لترابها. وأمعنت الدولة وجهازها الأمني في إنكار وجود مطالب ومظالم ومشكلات خاصة لأقباط مصر. أكثر من ذلك فإن أجهزة الدولة المصرية دأبت على ملاحقة وترويع كل من يحاول فتح حوار علمي ـ ثقافي ـ سياسي حول هذه الأمور ـ حتى لو كانت المحاولة في مقاعد الدراسة، أو مراكز البحوث، أو المنتديات العلمية, أصبحت كلمة "فتنة" تهمة توجهها الأجهزة الرسمية لمن يجرؤ على إثارة هموم الأقباط. فمن يطالع الخطاب الرسمي المصري سيجد أن فحواه هو أنه ليس للأقباط في مصر أي مشكلة. ومن يقول بغير ذلك فهو يقصد بمصر سوءاً، ولا بد أنه مدفوع من قوى خارجية معادية لمصر. وقد مثل هذا الخطاب الرسمي إيزاءاً للأقباط والمسلمين على السواء وكانت النتيجة هي استمرار الأزمة وانفجارها دورياً، وأصبحت تسمى هذه الأزمات إما بأماكنها ـ مثل كفر دميانة، سمالوط، عزبة الأقباط الكشح، أو تعرف بأسماء أطرافها من الأفراد كما في حالة السيدة وفاء قسطنطين، أو راهب دير المحرق بأسيوط.

ومن قوة هذا الإيزاء لمنع الحوار حول المسألة القبطية فقد وصلت العدوى لقطاعات كبيرة في المجتمع ذاته. فنرى صحفيين وشخصيات، كان واجبها أن تقود الحوار، تزايد على الخطاب الرسمي في تجاهل هموم الأقباط، أو في إنكار وجودها تماماً. كما تزايد في اتهام من يحاول أن يتصدى لهذا الأمر بأساليب علمية عقلانية. ولعلّنا نذكر الزوبعة التي آثارها بعض هؤلاء بمناسبة تصدي مركز ابن خلدون لهذه المشكلة بتنظيمه مؤتمراً فكرياً علمياُ لدراستها عام 1994 والتي قادها في حينه الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل في مقال له نُشر بالأهرام بتاريخ الجمعة 22/4/1994 تحت عنوان "أقباط مصر ليسوا أقلية وإنما جزء من الكتلة الحضارية الإنسانية للشعب المصري". وفيه نفى نفياً مطلقاً أن للأقباط أي مشكلات بل أن الحديث عن موضوع الأقليات حديث مشبوه، وادعى أن من يحركة مصادر خارجية رصدت لهذا الأمر مائة مليون دولار. طبعاً لم يقدم الأستاذ هيكل دليلاً على ما ادعاه ولكن لأنه يمثل أحد القمم الصحفية منذ عهد عبد الناصر، فقد تبعه عشرات الكتّاب سواء كانوا مرموقين أو يريدوا أن يكونوا مرموقين بإنكار وجود مشكلة للأقليات في العالم العربي.

          والطريف في الأمر أن الاستاذ هيكل نفسه بعد عشر سنوات منذ زوبعة الأقليات التي أثارها اعترف في حديث له على قناة الجزيرة القطرية اعترافاً صريحاً مطولاً بأن أكبر مشكلة تواجه مصر والعالم العربي في القرن الحادي والعشرين هي مشكلة الأقليات وأكبر تحدي يواجه مصر والعرب هي مشكلة الأقليات ورغم إقراره بوجود المشكلة إلا أن آخرين ممن اتبعوه قبل ذلك ما زالوا ينكرون وجود المشكلة وكانت التجليات الدرامية لهذا الإنكار في بداية شهر ديسمبر 2004 بمناسبة واقعة السيدة وفاء قسطنطين ومنهم الاستاذ عادل حمودة والاستاذ فهمي هويدي طوال أسابيع الأزمة كما فعل ذلك أحد باحثين مركز الدراسات الاجتماعية والجنائية وهو الدكتور البيومي غانم "المصري اليوم 29/12/2004" فهؤلاء جميعاً يتهمون من يتحدث عن هموم الأقباط بإشعل البيت ناراً، وهكذا تتآمر الدولة مع عدد كبير من المثقفين في تجاهل وإنكار المشكلة القبطية. ولكن ما هي المشكلة القبطية؟

تتلخص المشكلة القبطية في الهوة السحيقة بين ما ينص الدستور من ناحية وما تمارسة السلطات المصرية من ناحية أخرى. فالدستور ينص على المساواة في حقوق المواطنة "المادة 40" دون تمييز بسبب الجنس أو الدين أو الأصل، ولكن في التطبيق هناك صور شتى للتمييز والتفرقة ولعل أهمها وأبرزها ما يتعلق بإنشاء دور العبادة وهو الأمر الذي تعرّض له تقرير العطيفي قبل 32 عاماً ولا حياة لمن تنادي. فما زال بناء كنيسة أو حتى ترميمها يحتاج إلى قرار جمهوري وهو الأمر الذي لا يحتاجه أي مسلم كي يشيّد مسجداً أو زاوية مصلية في أي مكان. ناهيك عن التمثيل الهزيل للأقباط في المجالس المنتخبة محلية كانت أو قومية، أو في التعيينات السيادية والمناصب العليا القيادية حيث لا يوجد محافظ واحد أو رئيس جامعة واحد من الأخوة الأقباط. وقد فصّل الأستاذ يوسف سيدهم هذه وغيرها من الأمور في السلسلة التي يكتبها بصحيفة وطني "الأمور المسكوت عنها" والتي وصلت إلى المائة مقال. ولكن الجزء الآخر من المشكلة هو أن استمرار هذا الإنكار قد دفع الأقباط دفعاً إلى الاعتصام بحبل كنيستهم. فأصبحت الكنيسة وطناً لهم بعدما شعروا بأن وطنهم الطبيعي يضيق بهم وبمشكلاتهم ولا يفسح هامشاً حتى لمناقشة هذه المشكلات أو الاستجابة لمطالبهم. والملاحظ أن الاعتصام واللجوء للكنيسة هو تقليد قبطي قديم منذ عصر الشهداء فقد كان الأقباط يلجأون إلى صوامعهم بالصحراء هرباً من تنكيل السلطات الرومانية المحتلة لوادي النيل بهم منذ عشرين قرناً وهم بذلك كانوا أول من استحدث نظام الرهبنة والتي أصبحت تمارس بما نسميه اليوم بالأديرة. وقد رأينا في الأسابيع الأخيرة نفس التعبيرين حينما انتفض الشباب القبطي بأنه فعل ذلك على أرض الكاتدرائية المرقسية بوسط القاهرة، ولجأ البابا شنودة إلى أحد أديرة وادي النطرون. وأني لأعجب من أؤلئك الكتّاب الذين انتقدوا سلوك الشباب القبطي الغاضب بلجوئه للكاتدرائية ونقدهم لاعتكاف البابا شنودة بوادي النطرون. أليس ذلك مظهراً حضارياً سلمياً للتعبير عن الألم والغضب والاحتجاج؟ ماذا يقترح هؤلاء الناقدون على البابا شنودة والأخوة الأقباط أن يفعلوا للتعبير عن غضبهم؟ وأين مجلس الشعب من كل هذا، أنه حتى لم يرق لما كان عليه المجلس منذ 32 عام حينما كوّن لجنة لتقصي الحقائق والتي رأسها الدكتور العطيفي. ومن الملفت للنظر أن الصحف اليومية أثناء الأزمة حملت عنواناً واحداً على تصريح عن لسان الدكتور زكريا عزمي بأن الرئيس حسني مبارك والذي كان في زيارة للكويت أصدر تعليماته بسرعة احتواء الأزمة والسؤال هو لمن أصدر هذه التعليمات؟! للأجهزة التي اتهمها الأخوة الأقباط بإشغال الأزمة؟ أم إلى مجلس الشعب الذي تجاهل الأزمة برمتها؟

الحل هو العودة إلى ليبرالية كاملة مثلما كان الحال عليه في العصر الذهبي للتآخي والتكافل والمساواة بين المسلمين والأقباط ما بين عامي 1952،1919 لا بد أن يحكم المصريين جميعاً قوانين واحدة وقواعد وإجراءات واحدة في كل أمور دنياهم وهو ما يعني اختصاراً "مجتمع مدني يكون فيه الوطن فعلاً للجميع" وأني أضم صوتي للمطالبين بأن يكون الزواج والطلاق وكل الأحوال الشخصية خاضعة لقانون مدني واحد، تتم صياغته بمشاركة الكنيسة والأزهر على أن تنتهي مهامهما في كل الأمور الدنيوية بعد ذلك الأمر للسلطات المدنية فقط دون إقحام الدين والفتاوى لا في مسألة وفاء قسطنين ولا مسألة الكويز!

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكل المؤمنين أقباطاً كانوا أو مسلمون.


 

الفتنة الطائفية مجدداً

ثقافة العار والإنكار

 د. سعد الدين ابراهيم

اكتوبر 2005

 

هزت أحداث العنف حول كنيسة مار جرجس، بحي محرم بك بالإسكندرية مشاعر وأحزان وهواجس كل المصريين الذين تابعوا مسلسلها  خلال الأسبوعين السابقين ليوم الجمعة الحزين 21 أكتوبر 2005.

فالذين تابعوا ما حدث يوم الجمعة السابق، 14/10/2005 حينما قام مئات المصلين بعد الصلاة بمسيرة، حاصروا فيها الكنيسة، وتركوا مطالبهم، مع مسئولي الكنيسة، وأعطوهم مهلة أسبوع لتنفيذها، وإلا عادوا، وأخذوا "حق المسلمين" بالقوة (أي بالسيف). وكانت المطالب محددة وهي اعتذار من البابا شنودة، عن رعاية كنيسة مار جرجس لمسرحية، عن شاب مسيحي غيّر دينه، باعتناق الإسلام، تحت  ترغيب أو ترهيب من بعض الجماعات الإسلامية. ولكن الشاب حينما رأى الإسلام من خلال ممارسة هذه الجماعات له، غيّر رأيه وعاد إلى "أحضان المسيح"، فقررت الجماعة المتطرفة قتله، كما يقضي بذلك حد "الردة"، وأطلقت النار عليه. ولكن المسيح كان يحميه، فنجى من الموت. واشتملت المطالب أيضاً معاقبة القس المسئول، وتدمير كل الأشرطة المدمجة التي طبعت للمسرحية، عندما عرضت على مسرح الكنيسة منذ عدة شهور.

ومن الواضح أن الاعتذار المطلوب لم يتم تقديمه في الوقت المحدد، فعاد المسلمون الغاضبين من صلاة جمعة21/10، وزحفوا على الكنيسة لتنفيذ تهديدهم، وأخذ "حق المسلمين  من أعداء الدين". ولكن في هذه المرة كانت قوات الأمن تحمي الكنيسة، فأصدم بها المهاجمون، وأطلقت النيران. وحينما انتهت المعركة، كان هناك ثلاثة قتلى وأكثر من مائة وستين مصاباً.

ولم تكن أحداث كنيسة محرم بك هي الأولى، وربما لن تكن الأخيرة في مسلسل الفتنة الطائفية. فقبل عدة شهور أنشغل الرأي العام بمسألة "وفاء قسطنطين"، زوجة أحد القساوسة، التي اختفت، وقيل وقتها أنها تحولت إلى الإسلام، أو في رواية أخرى أنها لم تكن سعيدة في زواجها، وأحبت رجلاً مسلماً، فقررت الهروب معه. وقامت دنيا الأقباط ولم تقعد إلا بعد أن عثرت قوات الأمن على وفاء قسطنطين، وأقنعتها بالعودة ثانية إلى أحضان المسيح، بعد فترة نقاهة في أحد الأديرة.

وقبل حكاية وفاء قسطنطين، كانت هناك حكاية أحد قساوسة دير المحرق بأسيوط، الذي قيل أنه كان يمارس الفحشاء مع زوجات وأرامل تابعات لكنيسته، وأن بعض هذه الممارسات تم تصويرها، ونشرت أحد الصحف المباحثية الصفراء هذه الصور التي تخدش الحياء. فثار لذلك شباب الأقباط، واعتصموا في ساحة الكاتدرائية المرقسية، بوسط القاهرة لعدة أيام، إلى أن تدخلت السلطات، فأقفلت مبنى الصحيفة وجمدت صدروها، وأحالت رئيس التحرير إلى "محاكمة ما"  فهدأت الخواطر إلى حين.

وقبل حكاية الراهب ووفاء قسطنطين وكنيسة محرم بك، كانت هناك أحداث الكشح الأولى (1998)، والكشح الثانية (1999/2000)، وسمالوط، وعزبة الأقباط، وكفر دميانة وعين شمس وإمبابة في الثمانينات، وقبلها أحداث الخانكة والإسكندرية في السبعينات. وطبقاً للكتاب السنوي الذي يصدره مركز ابن خلدون عن الملل والنحل والأعراق، فإن عدد الأحداث الطائفية العنيفة، التي وقع فيها ضحايا واستدعيت تدخلاً أمنياً واسع النطاق تجاوزت المائة والعشرين، خلال الفترة من 8/9/1972 (الاعتداء على جمعية النهضة الأرثوذكسية بجهة دمنهور بمحافظة  البحيرة، ثم إضرام النار في دار جمعية الكتاب المقدس بالخانكة، محافظة القليوبية (6/11/1972) إلى حادث الاعتداء على كنيسة مار جرجس بمحرم بك (21/10/2005).

وهذا معناه أنه خلال السبع والثلاثين سنة الماضية كانت الأحداث الطائفية العنيفة التي تحتاج إلى تدخل أمني تقع بمعدل ثلاثة على الأقل سنوياً. وهذا ما تنشره الصحف في الداخل والخارج، أي أنه موثق وعلني. ولا يشمل الرقم ربما أضعافه من حوادث المواجهات والتوترات المحدودة التي تقع، ولا تستلزم تدخلاً أمنياً، ولا ترقى من حيث الإثارة ما يلفت وسائل الإعلام لتقوم بنشره.

وأذكر أنني سردت هذه المعلومات حديثاً على مسئول أمني كبير، ويحتل مركز محافظ لأحد محافظات الدلتا. فما كان من الرجل إلا أن سارع بأن هذه المعلومات لا بد أن تكون من صنع مراكز أبحاث "أجنبية"، كجزء من مخطط استهداف مصر! ولم أترك المسئول الأمني يهنأ بهذه الاستجابة الجاهزة والمريحة والكسولة. وطلبت من باحثي مركز ابن خلدون أن يعدوا ملفاً موثقاً، لا بالإحداث الطائفية التي وقعت حتى تاريخ حديثي مع المسئول الأمني إياه، ولكن أيضاً مع ذكر مصدر كل معلومة وكل رقم. ولدهشتي كان المصدر الأول والرئيسي هو وزارة الداخلية من خلال تقاريرها الدورية، وكان المصدر الثاني هو صحيفة الأهرام.

* الإنكار:

ونلاحظ أن رد فعل المسئول الأمني السابق والمحافظ الحالي هو رد فعل نمطي، لا فقط بين المسئولين، ولكن أيضاً لدى معظم المصريين. وأول ملامح هذه الاستجابة لظاهرة التطرف والتعصب التي تؤدي بدورها إلى التهيؤ للاشتعال، هو "الإنكار"، إنكار أن الواقعة قد حدثت أصلاً، فإذا لم يجد بداً من الاعتراف بوقوعها، فهو يسارع باستدعاء تفسيرات غيبية أو أيادي خارجية.

ولنتأمل معاً كلمات البيان التالي:

"كشفت أحداث الفتنة الأخيرة عن أن هناك أيادي، تريد أن تعبث في الظلام بمقومات الوحدة الوطنية المصرية الخالدة والضاربة بجذورها عبر الزمان، والتي فشلت في زعزعتها كل محاولات الإثارة الرخيصة في الداخل أو الخارج..."

لقد تعمدت أن أغفل ذكر مكان وتاريخ "أحداث الفتنة الأخيرة". فنفس العبارات، إن لم تكن نفس الكلمات قد استخدمت بعد كل واحدة من المائة والعشرين حادثاُ طائفياً الذين توزعوا على كل بقاع مصر من الإسكندرية حتى أسوان، خلال الفترة من سبتمبر 1972 إلى أكتوبر 2005. إن الاقتباس السابق، لا يكفيني بالمعلومة، ولكنه، يتطوع بذكر أسباب خفية "أيادي تريد أن تعبث في الظلام بمقومات الوحدة الوطنية..." أما من هم أصحاب هذه الأيادي، فإن البيان يسكت عنها تماماً، تاركاً العنان لخيال القارئ أن يخمن هويتها. ورغم أن البيان يقول لنا أن المستهدف هو "زعزعة" هذه الوحدة، إلا أنه يسارع بطمأنة القارئ، أن الفشل هو مصير محاولة "الزعزعة" هذه لأن "الوحدة الوطنية خالدة"، وضاربة بجذورها عبر الزمان". وهكذا يستريح القارئ، ولا يجهد نفسه بالبحث أو العمل لحل المشكلة (أي تفادي مزيداً من الفتن).

إن الاقتباس هو من صحيفة الأهرام، كبرى وأقدم الصحف المصرية، وهو بتاريخ الاثنين 24/10/2005، تحقيقات الصفحة الثالثة، تحت عنوان تساؤلي ضخم هو: "من يشعل نيران الفتنة؟!". ورغم أن التحقيق استغرق الصفحة عن كاملها، وأخرى مقابلات مع عدة شخصيات عامة (كامل زهيري، ميلاد حنا، مكرم محمد أحمد، وآخرين) إلا أنه لم يجب على السؤال الذي وضعه هو بنفسه كذلك لم يجب أحداً من السادة الأفاضل الذين أدلوا بدلوهم، بأكثر مما ورد في صدر التحقيق، عن الأيادي التي تعبث في الظلام"، أو التغني بخلود وعظمة وحدتنا الوطنية!.

* العار

إن وقائع الفتنة الطائفية ـ سواء التي وقعت في الإسكندرية في 21/10/2005 أو في الخانكة في نوفمبر 1972، وما بينهما هي وقائع قبيحة، وذات تفاصيل مقززة، فإن العقل الجمعي المصري يرفض الاعتراف بأنه اقترفها، أو بالمسئولية عنها. إنها قبيحة ومقززة وتتناقض مع الصورة التي يريدها لنفسه، وأهم من ذلك يريد أن يعرضها على العالم، وأن يصدقها العالم. إن الشعور بالعار مما حدث أو يحدث في كل فتنة طائفية، يجعله يكبت أو يهرب من هذا العار "الإنكار"، بداية، على العالم يصدقه، فيصدق نفسه!.

إنها حيلة نفسية يلجأ إليها الأفراد كثيراً، وكذلك الجماعات والشعوب، حفظاً لماء الوجه. وكل "جرائم الشرف" هي من نفس النوع التي تنطبق عليها هذه الآليات التي يعرفها جيداً علماء النفس والاجتماع.

وضمن ما يقوله علماء الاجتماع في هذا الصدد أن الثقافات الإنسانية تنقسم إلى نوعين، أولها يغلب على الناس الشعور "بالذنب"، وثانيها، يغلب عليها الشعور "بالعار". في ثقافة الذنب يشعر المواطن بأنه مقصر في حق نفسه وحق مجتمعه وربما حق الإنسانية جمعاء، إذا ارتكب خطأ أو أهمل في واجب، أو تحايل على قيمة أو حرف قانون. وهو يشعر بذلك في داخله، حتى لو لم يكن هناك رقيب أو حسيب، غير ضميره هو. فالضمير، وليس السلطة أو المجتمع، هو الذي يراقب ويحاسب ويوخز صاحبه ويؤرقه.

أما في "ثقافة العار"، فالفرد يشعر بالجرح وبالجزع وبالمهانة فقط إذا تم كشفه أمام أهله أو أمام العالم. وهو يشعر بالعار إذا كُشفت فضيحته أمام الغير. لذلك يستطيع أن يرتكب أي أفعال، ما دامت سريه، أو مستترة، أو كما يقول أهل التقوى "مستورة" لذلك ففي مجتمعات "ثقافة العار"، ولأن وجهها الآخر هو "الإنكار"، فنادراً إن لم يكن مستحيلاً، أن يناقش الناس مشكلاتهم الحساسة بصراحة، وأمانة، وموضوعية. ولذلك لا يتم احتوائها ولا حلها، وتظل تنفجر دورياً في وجوه أصحابها. وهذا هو حال المسألة القبطية خصوصاً، ومسألة الأقليات عموماً (بما في ذلك الطوائف والفرق الإسلامية، مثل الشيعة والبهائيين والقرآنيين). والغريب أن نفس الكلام الخادع المنمق عن "الوحدة الوطنية"، و"الأيدي الأجنبية التي تعبث في الظلام، لتخريب أغلى ما نملك"، هو نفسه الذي يردده الجميع منذ أول حدث أطلقت عليه السلطات الأمنية صفة "الفتنة الطائفية" عام 1970 (وكان في أخميم بالصعيد) قبل خمس وثلاثين عاماً.

إن عدم الاعتراف بواقع ما يحدث، بل وإنكاره لإحساسنا بالعار، هو الذي حال بيننا وبين المواجهة، والبحث، والسجال الصريح حول البدائل الممكنة لحل المشكلة الطائفية من جذورها. إنها مشكلة المسلمين بمثل ما هي مشكلة للمسيحيين. إنها أزمة للأغلبية بأكثر ما هي أزمة الأقلية. وبالقطع هي أزمة النظام الحاكم، والذي يدير الأمور في مصر المحروسة منذ بضع عقود، خسر في أثنائها ثقة الأغلبية والأقلية على السواء.

إن بداية التفكير في حلول ناجحة هو أن نقر بأن للأقليات في مصر هموم مشروعة، ومواجع مكتومة، قليل من أبناء الأغلبية يعرفها، ولكن الغوغاء يملأون الفضاء العام بالضوضاء حول حديث "الوحدة الوطنية" و"الثوابت الخالدة"، والابتزاز بحديث المؤامرة والاستقواء بالخارج للإرهاب المعنوي والفكري والسياسي. فيتردد أصحاب الهموم والمواجع عن التعبير الصريح عما بداخلهم علناً على أرض الوطن. ويلجأ بعضهم إلى البوح به إما همساً، أو في داخل الغرف المغلقة. أو يلجأون إلى منابر حرة خارج الديار. أي أن الابتزاز يتم في الداخل بحديث "الثوابت"، ويتم في الخارج بحديث "المؤامرة" أو "الاستقواء بالأجنبي". فإلى حديث أكثر صراحة أستودعكم خيراً.


 

ثقافة العار والإنكار

ماذا يريد الأقباط المصريون؟

 د. سعد الدين ابراهيم

اكتوبر 2005

كثيرون في مصر، من المسئولين والمواطنين العاديين،  طالما سألوني على مر السنين، لماذا أقحم نفسي وأنا المسلم في المشكلة القبطية خصوصاً ومسألة الأقليات في الوطن العربي عموماً؟

وقد تردد نفس السؤال بعد نشر مقالي (الفتنة الطائفية مجدداً) في "المصري اليوم" الأسبوع الماضي (29/10/2004).

وعادة، أعطي أحد إجابتين:

* الأولى: أنه لا توجد مشكلة لدى "أقلية"، إلا وتسبقها أو تصاحبها مشكلة "للأغلبية". أي أنه لا توجد مشكلة للأقباط إلا لأن هناك مشكلة أكبر للمسلمين. أي أن مشكلة الأقلية هي الوجه الآخر لمشكلة عند الأغلبية!

* الثانية: هي أنه إذا كانت هناك مشكلة، ولم نكن نحن جزء من حلها، فإننا نصبح جزءاً من استمرار نفس المشكلة!

كيف يكون هذا صحيحاً، وليس مجرد تلاعب بالألفاظ؟ دعونا نبدأ بملامح المشكلة القبطية؟

1ـ يمثل الأقباط حوالي 10 في المائة من السكان، ولكنهم يملكون أو يتحكمون في 20% من ثروتها، وضعف نسبة الخريجين من الجامعات من المسلمين. كما أن نسبة الأقباط بين المهن المرموقة ـ مثل الطب، والهندسة، والصيدلة، وأساتذة الجامعات تصل إلى ضعفها بين المسلمين. ومع هذه الأوضاع الاقتصادية والتعليمية والمهنية المتميزة، فإن الأقباط مهضومي الحقوق سياسياً. فلا يشغل قبطي واحد موقع محافظ لأي من الست وعشرين محافظة مصرية، ولا رئيس أي مؤسسة سيادية ـ مثل القوات المسلحة، أو الأجهزة، الأمنية السبعة أو وزارة الداخلية والخارجية والدفاع. أي أن الأقباط يساهمون بقدر وافر في الإنتاج والخدمات، وبنسبة تفوق إخوانهم المسلمين بمرتين أو ثلاث. ومع ذلك فهم محرومون من المشاركة في السلطة. وهناك قانون في علم الاجتماع السياسي، يقول ما معناه أن "الحرمان" في حد ذاته لا يؤدي إلى السخط أو الثورة، ولكن الذي يؤدي إليهما هو الإحساس أن الشخص أو الجماعة تعطي أكثر مما يعطي الآخرون ومع ذلك فإنهم لا يحصلون من الحقوق مثلما يحصل عليه هؤلاء الآخرون.

وليت هذا الإحساس "بالحرمان النسبي" كان مقصوراً على مناصب السلطة التنفيذية. إنه يتعداها إلى المواقع التمثيلية ـ مثل مجلس الشعب والشوري والمحليات، والمراكز القيادية في المعاهد التعليمية. من ذلك أن عدد الأقباط في هذه المؤسسات إما أنه معدوم أو لا يتجاوز نصف في المائة. هناك عشرون جامعة حكومية، لا يرأس أي منها أكاديمي قبطي واحد، رغم وفرة الأكاديميون الأقباط، والعديدون منهم على مستوى عالمي رفيع، بينما بعض رؤساء وعمداء هذه الجامعات والكليات ذوي مستوى أكاديمي متواضع للغاية.

إلى جانب أنواع الحرمان النسبي المذكور أعلاه، هناك أنواع من التفرقة الصارخة على أساس الدين. وأهم هذه هي القوانين واللوائح المنظمة لبناء دور العبادة. فبينما لا يحتاج المسلمون إلى تصريح رسمي لبناء مسجد في أي مكان، يحتاج بناء أو حتى ترميم أي كنيسة في مصر إلى مرسوم "رئاسي" من رئيس الجمهورية ـ وهو ما يعني عادة الانتظار عدة سنوات. بل إنني أعرف حالة في إحدى قرى المنيا، تبرع أحد أقباطها الميسورين (المحامي عدلي دوس) بقطعة أرض لبناء كنيسة لخدمة أقباطها الذين كان يبلغ عددهم وقت التبرع (1953) حوالي ثلثمائة. وانتقل الرجل إلى رحمة الله منذ سنتين (2003) أي بعد خمسين سنة، ولم يتم بناء الكنيسة إلى تاريخه. وما يزال نجله (الطبيب شريف دوس) يناضل البيروقراطية المصرية من أجل تحقيق حلم والده، والرغبة المشروعة والحق الدستوري لأبناء القرية الذين تجاوز عددهم الآن الألفين، وعليهم السفر عدة كيلو مترات إلى أقرب كنيسة كل يوم أحد للصلاة، أو حينما تكون هناك حالة وفاة أو زواج تتطلب خدمات كنسية. الطريف في أمر كنيسة منية دوس، أن المحامي عدلي دوس كان قد تبرع بقطعة أرض مساوية لبناء مسجد في نفس القرية في نفس التاريخ، وأيضاً على نفقته الخاصة. ولما كان بناء مساجد المسلمين لا يحتاج إلى مرسوم جهوري، أو حتى موافقة شيخ الخفر، فقد تم الانتهاء من بناء المسجد في شهور، بينما ما زال أقباط "منية دوس" ينتظرون بناء كنيستهم لأكثر من خمسين عاماً.

أما المظلمة الأخرى فهي التجاهل الكامل "للحقبة القبطية" في تدريس التاريخ لأبناء  مصر. فبينما هم يدرسون التاريخ المصري الفرعوني، واليوناني والروماني والإسلامي والمملوكي والعثماني، وتاريخها الحديث منذ الحملة الفرنسية (1798) إلى الوقت الحاضر، هناك ستة قرون، (70-641 ميلادية) تحول فيها المصريون إلى المسيحية، وأعطوا الدين الجديد على العالم كنيسته المصرية ـ القبطية الفريدة في لاهوتها وطقوسها وإسهاماتها، سواء للمسيحية أو للثقافة المصرية والوطنية المصرية. فهي التي أدخلت "الرهبنة" و "الأديرة" في المسيحية، فظلت إبداعاً مصرياً خالصاً خلال القرون المسيحية الأولى، إلى أن أخذت عنه وقلدته الطوائف المسيحية الأخرى، شرقاً وغرباً. وخلال نفس القرون الستة التي كانت مصر فيها مسيحية، قاوم المصريون الرومان ثم البيزنطيين، حيث حاول أولئك إثنائهم عن اعتناق ذلك الدين الدخيل على الإمبراطورية، ثم حاول هؤلاء بعد اعتناق المسيحية في القرن الرابع الميلادي أن يبتلعوا أو يدمجوا الكنيسة القبطية المصرية في كنيسة روما. ولكن المصريون أبوا ذلك وقاوموا مقاومة باسلة، وسقط منهم شهداء كثيرون، وأصبح عام سقوطهم هو بداية التقويم القبطي (1722) قبطية. هذا العام، والذي ما يزال يستخدمه الفلاحون المصريون ـ مسلمين أو أقباط ـ لضبط مواسم الزراعة والحصاد. هذا التاريخ القبطي المجيد، مسكوت عنه تماماً في كتب تاريخنا. كذلك مسكوت تماماً عن التلاميذ المسلمين أي معلومات أو معارف عن الديانة المسيحية، التي ما يزال عشرة في المائة من مواطني مصر المحروسة، وهم الأصل، يعتنقونها ويعتزون بها. فبينما التلميذ المسيحي يتعلم عن الإسلام والمسلمين الشيء الكثير، لا يتعلم التلميذ المسلم شيئاً عن التاريخ أو الدين المسيحي. وهذا نقص كبير، وربما كان هذا أحد أسباب التعصب والتوتر والتأهب للعنف الطائفي. وقد تنبه وزير التعليم السابق د. حسين كامل بهاء الدين لهذا النقص، وحاول أن يعالجه. ولكن غريمه د. أحمد فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب أوعز لعدد من النواب أن يثوروا عليه (انتصاراً لدينهم!) فتعثرت المحاولة. ولا ندري ما إذا كانت قد استكملت على الإطلاق.

إن قائمة مظالم الأقباط طويلة. وما عرضناه أعلاه هو النذر اليسير منها، ومع ذلك فالأغلبية المصرية المسلمة ونفر معدود من المنافقين الأقباط تمعن في إنكار وجود أي مشكلة أو مظلمة. فإذا جرّوا أحدهم ـ مسلماً كان أو قبطياً ـ إلى إثارة الأمر، كما أفعل أنا هنا الآن، فإن نفس الجوقة من الإعلاميين الحكوميين وأعضاء مجلس الشعب والشورى المعنيين، يسارعون لا فقط بإنكار وجود المشكلة، ولكن أكثر من ذلك باتهام من يحاول التنبيه إليها بأنه "مغرض"، أو "يثير فتنة طائفية"، وأن ذلك لا بد أن يكون "لحساب جهة أجنبية مثل أمريكا وإسرائيل". وهكذا يُسكتون العقلاء ويظل الجهلاء يتحكمون في "ملف الأقباط"، كما يتحكمون في كثير من الملفات الحساسة الأخرى ـ مثل الإخوان المسلمين والأخوة الشيعة والبهائيين والقرآنيين. وكل عدة شهور ينفجر أو يتم تفجير أحد هذه الملفات على أيدي الجهلاء. وينشغل الرأي العام لعدة أسابيع ثم تهدأ الأمور أو تتسارع أحداث أخرى في الداخل أو الخارج. وينسى الناس أو يتناسون إلى حين، إلى أن تنفجر محرم بك، أو كشح، أو خانكة، أو عزبة دميانة جديدة. ويظل الجهلاء يتحكمون في أهم ملفات مصر المحروسة. فلا حول ولا قوة إلا بالله. إن ما يريده الأقباط هو ما يريده المسلمون، مواطنة كاملة غير منقوصة على أرض مصر .. ومع ذلك نقول لمسلمي مصر وأقباطها كفكفوا دموعكم، واحتفلوا معاً بعيد فطر سعيد. وإن غداً لناظره قريب.

 


 

رجب البنا ... وهيكل ... والأقليات

د. سعد الدين ابراهيم

اكتوبر 2005

 

كتب الأستاذ/ رجب البنا في "الأهرام" بتاريخ 19/10/2005، تحت عنوان "محور أبادير وسعد الدين"، هجوماً لاذعاً على رجل الأعمال المصري المهندس عدلي أبادير، وعلى شخصنا المتواضع. وكان مبرر الهجوم هو أن الأول (أبادير) ينظم مؤتمراً يعقد في واشنطن، في المدة من 16 إلى 18 نوفمبر 2005، دعا فيه الثاني (سعد الدين) ليكون المتحدث الرئيسي.

ولن أتولى الرد على أ. رجب البنا، نيابة عن المهندس عدلي أبادير، فهو قادر على ذلك. وسأقتصر هنا على الرد بالأصالة عن نفسي، وفي نقاط محددة:

أولاً: لم يذكر أ. رجب البنا عنوان المؤتمر المزمع عقده في واشنطن، وهو "دور الأقباط في الإصلاح الديمقراطي في مصر". لأنه لو ذكر العنوان لانهارت معظم أركان هجومه على المؤتمر. وخلال هذا العام (2005) عقدت عشرات المؤتمرات التي تناقش موضوع التحول الديمقراطي في مصر والمنطقة، وتحديداً منذ إعلان الرئيس مبارك مبادرته بتغيير المادة 76 من الدستور، التي جعلت اختيار رئيس الدولة بالانتخاب التنافسي الحر، بين أكثر من مرشح، وذلك لأول مرة في تاريخ مصر وفي هذه المؤتمرات جرى تسليط الدور على دور القوى والفئات المختلفة ـ مثل الأحزاب، والمجتمع المدني، والمرأة، والعمال، والمثقفين ـ في مسيرة هذا التحول إلى الديمقراطية. فما هو الضرر أو الضرار إذا عُقد المؤتمر لتسليط الضوء على دور أقباط مصر في هذه المسيرة، خاصة وأن دورهم كان بارزاً في العهد الليبرالي الديمقراطي الأول، بين ثورتي 1919 و1952؟

ثانياً: تعمد أ. رجب البنا ألا يذكر بقية كبار المدعوين من مصر إلى نفس المؤتمر ـ ومنهم د. بطرس غالي، ود. أحمد كمال أبو المجد، والسيد جمال مبارك، والروائي عباس الأسواني، والمهندس يوسف سيدهم، رئيس تحرير صحيفة وطني، وآخرين. لأنه لو ذكر قائمة المدعوين لما كان سهلاً عليه شن هجومه الكاسح، حيث أن هذه القائمة تحتوي شخصيات عامة، في السلطة أو قريبة من السلطة. وهو الأمر الذي يعمل له أ. رجب البنا ألف حساب فلم يعرف عنه خلال الأربعين سنة، التي عمل فيها بالصحافة المصرية، المملوكة للدولة، أنه هاجم مسئولاً مصرياً مرة واحدة!

ثالثاً: لم يتناول أ. رجب البنا، ولو مرة واحدة، مشكلة واحدة من مشكلات الأقباط في مصر، أو الأكراد في العراق، أو الجنوبيين في السودان، أو الشيعة في البحرين والسعودية فهو لا يرى هذه الجماعات. وكما أن هناك من هم مصابون "بعمى الألوان"، أي لا يستطيعون التمييز بين الأزرق والأخضر والأحمر، فهناك من هم مصابون أيضاً بعمى "الأقليات". وليس أدل على ذلك من اعتراف الرجل نفسه، في آخر جملة من مقاله، حيث يقول بالحرف الواحد: "وليس في مصر أقليات. ليس في مصر سوى المصريين". وهذا بالضبط هو أحد أعراض "عمى الألوان". فهو يرى كل ألوان الطيف السبعة، وكأنها لون واحد.

رابعاً: خلال الأسبوع الذي كتب فيه أ. رجب البنا مقال "محور أبادير وسعد الدين"، منكراً فيه وجود أقليات في مصر، انفجرت بوادر أزمة طائفية في الإسكندرية، أشارت إليها كل الصحف، بما فيها "الأهرام"، وهي التي نشر فيها مقاله. ولكن صحيفة "الدستور"، المستقلة، خصصت أربع صفحات كاملة لنفس الموضوع في نفس اليوم (19/10/2005)، وجاء في صفحتها الأولى، تحت عناوين رئيسية، "الخطير: مسرحية مارجرجس التي فجرت الفتنة في الإسكندرية تدور حول شاب مسيحي انضم لجماعة إسلامية بحثاً عن الحور العين، ثم عاد إلى قلب يسوع والأخطر: شكوك حول دور أمن الدولة في إشعال الفتنة الطائفية" وضابط الأمن قال للمسلمين الغاضبين: روحوا انتصروا لدينكم" وكان تحقيق صحيفة الدستور يرد مباشرة على أ. رجب البنا، حيث جاء، في الصفحة الخامسة "لا وحدة وطنية ولا كلام فارغ فقد أثبتت أزمة كنيسة محرم بك في الإسكندرية أن الشعارات التي نلوكها في برامج التليفزيون والصحف جميعها شعارات خاوية. وأن الصور التي يخرج فيها البابا شنودة مع الشيخ طنطاوي يبتسمون للكاميرات ويثنون على حكمة رئيس الدولة، هي مجرد صور للتصدير. وأن هناك أزمة حقيقية بين عنصري الأمة" ولا يغطي على هذه الأزمة أي هجوم على من يتصدون لها بالدراسة والتحليل والتشخيص والعلاج ـ كما حاولنا أن نفعل نحن طوال العقود الثلاثة الماضية ولن يجد الهجوم، حتى لو خطاب "المؤامرة" المعتاد، واستحضر كل العفاريت لاستعداء القارئ والرأي العام، بنفس المفردات التي عفى عليها الزمن. وحاكم بعض المفردات التي وردت في مقال أ. رجب البنا: استراتيجية شريرة لتمزيق الدولة العربية.. تحصيل أموال من أمريكا يستقطب بها عدداً من الباحثين ويدفع لهم بسخاء.. تفكيك المجتمع المصري بإثارة النزعات الطائفية.. المخطط الأمريكي لتغيير العالم العربي وترتيب الأوضاع لضمان إسرائيل.."

خامساً: ليس أ. رجب البنا هو الوحيد المصاب بعمي الألوان وينكر وجود الأقليات. فقد سبقه على ذلك كثيرون، وفي مقدمتهم رئيسه ورئيس تحرير الأهرام الأسبق، الأستاذ محمد حسنين هيكل، الذي فعل نفس الشيء في مقال على صفحة كاملة، في 22/4/1994، بعنوان "أقباط مصر ليسوا أقلية وإنما جزء من الكتلة الحضارية الإنسانية للشعب المصري". غير أن أحدى حسنات الأستاذ هيكل أنه لا يكف عن الملاحظة والبحث وإعادة النظر فيما اعتقده أو صرّح به من قبل. فبعد عشر سنوات وستة أشهر من مقاله الشهير في الأهرام الذي أنكر فيه وجود مشكلة للأقليات في مصر أو العالم العربي، عاد في أحد أحاديثه الطويلة على قناة الجزيرة، ليعلن أن أكبر وأهم تحدي يواجه الأمة العربية في القرن الحادي والعشرين هو مسألة "الأقليات". إذا كان هذا هو ما حدث مع أ. هيكل، فهل نطمع أن يحدث نفس الشيء مع أ.رجب البنا ؟ نرجو ذلك، ونرجو ألا تستغرق المراجعة عشر سنوات ونصف. فإن الأعمار بيد الله. والله أعلم.


 

اعتذار للأقليات في العالم العربي

د. سعد الدين ابراهيم

سبتمبر 2004

 

    نشر الكاتب خالد صلاح مقالاً في صحيفة "المصري اليوم" (8/9/2005) بعنوان "اعتذار للدكتور سعد الدين  إبراهيم"، استعرض فيه ملامح المعركة الفكرية والسياسية، التي انفجرت عام 1994، بسبب تنظيم مركز ابن خلدون مؤتمراً لتدارس "هموم الملل والنحل والأعراق في العالم العربي". وبسبب دوري الرئيسي في ذلك المؤتمر، فقد تعرضت وقتها لانتقادات حادة، بدأت بمقالين افتتاحيين في جريدة الشعب، لسان حال حزب العمل، للصديق المرحوم عادل حسين، أمين الحزب ورئيس التحرير.

ولكن مقالاً ثالثاً للكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل في صحيفة الأهرام بتاريخ 22/4/1994، بعنوان " أقباط مصر ليسوا أقلية وإنما جزء من الكتلة الحضارية الإنسانية للشعب المصري " ظهر في أعقاب مقالي عادل حسين، هو الذي حوّل الأمر إلى معركة حامية الوطيس، شارك فيها ما يزيد عن أربعمائة كاتب وكاتبة، من المحيط إلى الخليج. وكانت الغالبية العظمى، وتحديداً ثلاثمائة منهم، في جانب هيكل وعادل حسين، وفقط واحد من كل أربعة، أو تحديداً أقل من مائة هم الذين أيدوا وجهة نظري في هذا السجال غير المسبوق، حول موضوع ظل إلى ذلك الوقت من "المحرمات"، المحظور الاقتراب منها.

ومع تأثري العميق بما كتبه خالد صلاح، الذي لا أعرفه شخصياً، فإنني أنتهز فرصة ظهور مقاله لكي أشكره، وأستأذنه في تحويل اعتذاره لي إلى اعتذار لكل الأقليات في العالم العربي، حيث عانى معظمهم من التجاهل، أو التفرقة، أو الاضطهاد، أو الاقتلاع والتشريد، على أيدي الأغلبيات، أو الأنظمة الحاكمة باسم هذه الأغلبيات. ولم يكن المثقفون العرب ـ من وزن محمد حسنين هيكل ـ أبرياء من هذه الخطايا، كما سنرى.

كان جوهر الخلاف في هذه القضية وفي قضايا أخرى هو بين نهجين. أحدهما أيديولوجي طوباوي، ينظر للعالم العربي، من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي، كما لو كانت تعيش فيه أمة واحدة، ذات قومية ولغة واحدة، مزقها الاستعمار إلى شعوب وأقطار متعددة. ولأنها "أمة واحدة ذات رسالة خالدة"، فإن من يرى على هذا الاتساع الجغرافي غير ذلك، فهو أعمى أو جاهل، أو معادي للعرب والعروبة، أو خائن لهما، أو متآمر عليهما.

أما المنهج الثاني فهو اجتماعي ـ تاريخي مقارن، ينظر لنفس الفضاء الجغرافي الممتد من المحيط إلى الخليج على أنه يضم إلى جانب الكتلة الرئيسية، وهي الأمة العربية، شعوباً وثقافات أخرى غير عربية أو غير أسلامية، تتقارب أو تتفاوت مع الأمة العربية في السمات والخصال وطرق الحياة. وبالقدر الذي تختلف فيه وتعتز بهذا الاختلاف  فهي تريد الحفاظ على هويتها وخصوصيتها. وينبغي فهم هذه الخصوصيات واحترامها.

كنت من أصحاب المنهج الثاني. واجتهدت في دراسة وفهم هذه الخصوصيات كما اجتهد أسلاف عظام في فهمها. بل إنني تعمدت أن أختار لمؤلفي الموسوعي حول هذا الموضوع، عنواناً مقتبساً من هؤلاء الأسلاف، مثل ابن حزم الظاهري في كتابه الأشهر "الملل والنحل". فجاء عنوان كتابنا "الملل والنحل والأعراق"، واخترنا له عنواناً فرعياً هو: "هموم الأقليات في الوطن العربي".

فلماذا كرسنا عشر سنوات من حياتنا للتجوال والبحث في كل أرجاء العالم العربي من مرتفعات كردستان في العراق إلى جبال الأوراس في الجزائر، ومن غابات الأرز في لبنان إلى أحراش جنوب السودان ـ ونحن نعد ذلك الكتاب الموسوعي؟

كانت هناك أسباب علمية معرفية، اقتفينا فيها سيرة أسلافنا العظام، مثل ابن حزم والشهرستاني، الذين بحثوا وكتبوا عن نفس الموضوع قبل ألف سنة. وكانت هناك أسباب وجودية سياسية إنسانية. فقط لاحظنا أولاً، ثم وثقنا أن الصراعات المسلحة في عالمنا العربي خلال الخمسين سنة التالية للحرب العالمية الثانية (1945-1995) كانت في معظمها، إن لم تكن جميعها، صراعات عرقية ـ دينية ـ مذهبية ـ لغوية. ومع ذلك لا أحد من سياسيينا أو مثقفينا يريد أن يرى أو يعترف بذلك. هذا رغم أن هذه الصراعات الداخلية المسلحة أزهقت من الأرواح عشرين مثلاً مما أزهقته كل حروبنا مع إسرائيل (1967،1956،1948،1973). ثم إن استمرار هذه الصراعات الداخلية المسلحة أخرت وعوقت مسيرة التنمية وبناء الدولة والمؤسسات الديمقراطية، واستنزفت لا فقط الدماء ولكن أيضاً الثروات، وأفقرت البلاد والعباد.

ولكن ما إن ظهر مؤلفنا، عن الملل والنحل والأعراق، ثم ما إن نظمنا مؤتمراً لتدارس المشكلات والهموم المرتبطة بها، حتى انفتحت علينا نيران مدفعيات ثقيلة، من محمد حسنين هيكل وعادل حسين ومن لف لفهما، وعلى نحو ما ذكرنا في مقدمة هذا المقال.

ورغم ذلك مضينا في طريقنا، وعقدنا المؤتمر في قبرص، بعد أن رفضت السلطات المصرية عقده في القاهرة، كما كان مخططاً. وكان أهم توصيات المؤتمر هي:

ـ الديمقراطية للجميع، سواء من أبناء الأغلبية أو الأقليات.

ـ الفيدرالية على سبيل الاستثناء، للجماعات العرقية واللغوية حيثما يتركزون جغرافياً، ويطلبون حكماً ذاتياً.

ـ احترام الخصوصيات اللغوية والدينية لكل الجماعات التي تعيش في الوطن الواحد، دون انتقاص من حقوق المواطنة الكاملة لأبنائها ودون إخلال أو تهديد لوحدة التراب الوطني.

وكان من الذين تمت دعوتهم للمؤتمر زعماء الأقليات التي كانت تخوض صراعاً مسلحاً ممتداً مع الحكومات المركزية في بلدانها ـ ومنهم جلال الطلباني، الزعيم الكردي، الذي أصبح فيما بعد (الآن) رئيساً للجمهورية في العراق، وجون جارانج، الذي أصبح نائباً أول لرئيس الجمهورية في السودان، إلى أن توفى في حادث سقوط طائرته المروحية أثناء رحلة عودته من أوغندا، في يوليو 2005.

في كل الأحوال، كانت هذه التوصيات هي جوهر ما تم من تسويات بعد عشر سنوات، لوقف نزيف الدماء والثروات في بلدان مثل العراق والسودان ولبنان والبحرين. وما زال جوهر نفس التوصيات صالحاً لتبديد الاحتقان والتوتر في البلدان العربية الأخرى.

ومن المفارقات في هذا الموضوع أن الكاتب ذائع الصيت محمد حسنين هيكل، الذي كان من أول وأشرس المهاجمين لنا، والمنكرين لوجود أي مشكلة عرقية أو دينية، عاد إليه وعيه، بعد عشر سنوات وستة شهور، حيث اعترف في أحد أحاديثه الممتدة على قناة الجزيرة (نوفمبر2004)، بأن "مسألة الأقليات" هي أهم التحديات التي تواجه العرب في القرن الحادي والعشرين. وهذا شيء مطمئن، فالعودة للحق والاعتراف به هو فضيلة. هذا رغم أن الشيخ هيكل لم يكن في شجاعة الشاب خالد صلاح، الذي عاد هو أيضاً للحق ولكنه اعتذر عن التلكؤ فيه طيلة هذه السنوات.

ومع إكباري وتقديري للشجاعة الأدبية لخالد صلاح الشاب على الاعتذار وغفراني لحسنين هيكل الشيخ الذي اعترف ولم يعتذر، فإن أهم من هذا وذاك هو أن نواجه تحدي مسألة الأقليات في العالم العربي بشجاعة، وعقول ناضجة وقلوب رحيمة، وأن نعتذر جماعياً، لا لد. سعد الدين ابراهيم، ولكن لأبناء الجماعات العرقية والدينية واللغوية التي عانت لسنوات طويلة من تجاهل الأغلبية، وتعسف أو دموية معظم حكوماتنا المستبدة.  

 


 

إما دستور 23... أو نسبة مقاعد للأقباط

د. سعد الدين ابراهيم

نوفمبر 2005

 

تشهد العاصمة الأمريكية واشنطن، خلال الفترة 16-18/11/2005 مؤتمراً عن "الأقباط والإصلاح الديمقراطي في مصر". وكان مؤتمراً مماثلاً قد عقد في العام الماضي بمدينة زيورخ السويسرية. وقبل الحديث عن القضايا المثارة في المؤتمر، ينبغي الإجابة على سؤال تردد في الصحافة والشارع السياسي حول الحكمة من عقد مؤتمرات عن شئون مصرية داخلية، خارج الحدود؟

وبداية، فإن عقد مثل هذه المؤتمرات خارج الحدود، هو تقليد راسخ، منذ أكثر من قرن وربع. وتحديداً، منذ نظم الشيخان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، مؤتمر "العُروة الوثقى" في باريس، أواخر القرن التاسع عشر، واللذان أصدرا بمناسبته مجلة  تحمل نفس الاسم، واستمرت في الصدور، لمدة طويلة بعد ذلك. كانت هموم الشيخان هي تخلف المسلمين، واستبداد سلاطين آل عثمان، ورفضهم لدعاوى الإصلاح من الداخل، واستئسادهم على شعوب الإمبراطورية من ناحية وضعفهم واستسلامهم لأطماع الاستعمار الأوربي من ناحية أخرى. كذلك عقد ماركس، ومن بعده لينين مؤتمرات في لندن وباريس. وكذلك الزعيم الفيتنامي هوشي منه. إن السياسيين والمفكرين ينظمون مؤتمرات وندوات وملتقيات خارج الحدود حينما لا تسمح لهم السلطة المستبدة في أوطانهم بهامش الحرية الضروري للحوار العام حول مشكلات الوطن أو بعض طوائفه. وموضوع الأقباط خاصة، ومسألة الأقليات عامة، ثبت أن حكومتنا، شأن حكومات عربية أخرى، لا تريد مناقشتها أو علاجها. بل ولا تريد لأحد من مواطنيها الحديث عنها أو التعامل معها علناً، جهاراً نهاراً. وكل من جرأ على فتح الموضوع أو مناقشته سرعان ما كانت السلطة أو زبانيتها يتهمونه بأنه يثير الفتنة، ويهدد الأمن الاجتماعي وبالتالي أمن الدولة. وقد يزجون بهم في غياهب السجون، كما حدث فعلاً لهذا الكاتب وسبعة وعشرين من العاملين معه في مركز ابن خلدون (2000-2003).

إن اضطرار بعض أبناء الوطن والأمة إلى عقد مؤتمراتهم بالخارج هو لأنهم لا يستطيعون عقدها في الداخل. هذا ما حدث لدعاة الديمقراطية العرب حينما أرادوا ذلك عام 1982، وظلوا عاماً كاملاً يبحثون عن عاصمة أو مدينة عربية واحدة تسمح لهم بعقد مؤتمر يتداولون فيه أزمة الديمقراطية في أوطانهم. ولما لم تجد محاولتهم فرصة للنجاح اضطروا إلى الذهاب إلى أقرب جزيرة خارج العالم العربي، وهي قبرص، لعقد مؤتمرهم في نوفمبر 1983. وهو المؤتمر الذي كان من ثمراته إنشاء المنظمة العربية لحقوق الإنسان، والتي شرفني مؤسسوها بانتخابي أول أمين عام لها (1983-1988). وبعد أحد عشر عاماً، حينما استشعر بعض المهمومين منا بمسألة الأقليات والملل والنحل في الوطن العربي، حاولنا تنظيم مؤتمر على أرض الوطن، وحدث نفس الشيء. رفضت مصر وبلدان عربية أخرى السماح لنا بعقد المؤتمر على أرض الوطن، فذهبنا إلى قبرص مرة أخرى، وعقدناه في أواخر مايو 1994.

وقد كتبنا وكتب غيرنا عما يصبوا إليه أبناء الطوائف والملل والنحل في كل الأوطان، وهو التمتع بالحقوق والحريات التي نصت عليها المواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان، بدءاً من الإعلان العالمي (1948) إلى العهد الخاص بحقوق الأفراد المنتمين إلى الجماعات الوثنية والعرقية واللغوية (1993). وفي السياق الوطني المصري فإن أكبر وأهم هذه الأقليات هي الجماعة القبطية، ذات الجذور التاريخية الراسخة، حيث أن الأقباط هم الأصل البشري للمصريين المعاصرين. فهم ينحدرون مباشرة من أجدادنا في مصر الفرعونية، والذين استقبلوا واحتضنوا الأسرة المقدسة، ثم بعد ذلك المسيحية بدءاً من القرن الميلادي الأول. وهم الذين حموا التراث المصري الفرعوني، وأدمجوه في العقيدة المسيحية الجديدة. وبسبب هذا التمسك بذلك التراث المشترك ـ الفرعوني المسيحي ـ تعرض أقباط مصر لكل ألوان القهر والتنكيل، واستشهد منهم الآلاف على أيدي المحتلين الرومان، حتى أنهم اتخذوا من عام 248م وهو قمة تضحياتهم الاستشهادية بداية للتقويم القبطي، الذي هو الآن في عامه الـ 1757 ولم يفلح القهر الروماني في إثناء الأقباط عن تمسكهم بمصريتهم أو مسيحيتهم. بل أصبح المصريون جميعاً أقباطاً واستمروا هم الأغلبية السكانية لمدة سبعة قرون. ومع الفتح العربي الإسلامي لمصر عام 641 ميلادية، وتحريرها بمساعدة الأقباط من الاحتلال الروماني ـ البيزنطي، بدأ بعض الأقباط يعتنقون الدين الجديد ـ إما اقتناعاً، أو إغراءاً، أو عملاً بالممارسة الشائعة وهي أن الناس على دين حكامهم (أو ملوكهم) . ورغم ما يحض عليه الإسلام من رحمة ومودة واحترام "لأهل الكتاب"، إلا أن ذلك لم يتحقق دائماً، فقد تعرض الأقباط للتفرقة بين الحين والآخر. وكان الأمر يتوقف على أمزجة ومصالح وأطماع الحكام والولاة. وكثيراً ما كان هؤلاء يستخدمون الأقباط ككباش فداء في أوقات الأزمات، لصرف أنظار العامة عن المسئولية الحقيقية لهؤلاء الحكام عن المشكلات والأزمات.

في كل الأحوال، مع بناء مصر الحديثة، بدءاً من عهد محمد علي في أوائل القرن التاسع عشر، دخل الأقباط عملية اكتساب المواطنة. وكانت مظاهر ذلك هي تعيين الأقباط في الوظائف العامة للدولة، والانخراط في الجندية. وكان حمل السلاح إلى ذلك الوقت من المحرمات على "أهل الذمة". واستمرت مسيرة استكمال المواطنة، حتى وصلت منتهاها في ثورة 1919، والتي كانت شخصيات قبطية ـ مثل مكرم عبيد وفخري عبد النور من بين زعمائها، وكان المواطنون الأقباط من أنشط المساهمين فيها، كما سقط العشرات منهم برصاص الإنجليز، واختلطت دماؤهم بدماء أشقائهم المواطنين المسلمين وكان ذلك تتويجاً فعلياً لا فقط لاكتمال مواطنة الأقباط، ولكن أيضاً لتدشين حقبة الليبرالية السياسية في مصر، والتي استمرت إلى أوائل خمسينات القرن الماضي. وقد كان هذا هو العصر الذهبي لمشاركة الأقباط، في الحياة العامة المصرية. ولعله ليس غريباً أن هذا هو نفسه العصر الذي نعم فيها بقية المصريين بنفس القدر الوافر من الحريات العامة. وبانتهاء هذه الحقبة الليبرالية، تقلصت مشاركة الأقباط تدريجياً في الحياة العامة. ووصل هذا إلى أسوأ مستوياته في المجال السياسي  في ظل حكم الرئيس حسني مبارك، حيث تدنى ترشيح الحزب الوطني الحاكم للأقباط، أقل من نصف في المائة (وتحديداً مرشحان فقط من مجموع 434 مرشحاً) ممن تقدم الحزب بهم للانتخابات التشريعية عام 2005. فأين هذا من الحقبة الليبرالية التي كان المرشحون الأقباط يتراوحون بين 5و10 في المائة من مجموع مرشحي كل الأحزاب.

وبسبب هذا البون الشاسع بين العصر الذهبي الذي كان في الحقبة الليبرالية ودستور 1923، والعصر الرديء في الحقبة المباركية ودستور 1971. ولعل ذلك هو ما يفسر رفض الأقباط أثناء إعداد دستور 1923، لتحديد حصة مئوية لهم في مقاعد البرلمان تتناسب مع حجمهم في إجمالي السكان. لقد كان إحساس الأقباط في ذلك الزمن هو الاطمئنان والأمان والحرية التي تمكنهم من التنافس المتكافئ في أي انتخابات بصرف النظر عن ديانة المرشح. وكانوا في هذا محقون تماماً في ذلك الوقت. وكثيراً ما كان مرشحون أقباط يفوزون، وخاصة عن حزب الوفد، في دائرة لا يوجد فيها أقباط مقيمون بالمرة.

أما الآن وقد تغيرت الظروف السياسية إلى ما هو أسوأ، وتبدل المناخ من الحرية والانفتاح إلى الاستبداد السياسي والانغلاق الفكري والتشوه الثقافي والتزمت الديني، فقد أصبح الأقباط يشعرون بغربة متزايدة في وطنهم. وزاد من وطأة هذه الغربة مظاهر التعصب في التعامل اليومي حتى من المواطنين العاديين، وذلك تحت تأثير من يسمون بالدعاة الإسلاميين الذين أفسحت لهم وسائل الإعلام المرئية والمسموعة مساحات واسعة خلال العقدين الأخيرين ـ مثل الشيخ متولي الشعراوي، ود. عمر عبد الكافي، ود. زغلول النجار، وغيرهم. وكثيراً ما صدرت عن بعضهم تصريحاً أو تلميحاً، ما يحض على تجنب أو مقاطعة أهل الكتاب، وذلك بالمخالفة لصحيح الإسلام. وقد زاد الطين بله،  أن نظام مبارك ترك هذه النزعات السلبية تتفاقم. بل واستمر النظام في تجاهله لمطالب الأقباط، وفي مقدمتها إلغاء "الخط الهمايوني"، وتضمين المناهج المدرسية تعريفاً بالحقبة القبطية، وبالمشترك بين المعتقدات المسيحية والإسلامية وبإفساح مساحات معقولة في إعلام الدولة لتثقيف عموم المصريين عن إسهامات الأقباط في ثقافة مصر واقتصادها وآدابها. إن مثل هذا المنحى هو الكفيل بغرس وتعميق المودة والمحبة والاحترام المتبادل بين المسلمين والأقباط ـ بدلاً من المجاملات والمعانقات الظاهرية السطحية بين القيادات الدينية في المناسبات أو عند محاولة تطويق الأزمات وإطفاء الحرائق.

فإلى أن تتم الاستجابة لهذه وغيرها من مطالب الأقباط العادلة، لا بد من تعديل الدستور لينص على حد أدنى من مقاعد المجالس المنتخبة تخصص للأقباط، ولتكن 10 في المائة. وهناك مطالبات مماثلة للمرأة. إن تخصيص حصة لهاتين الفئتين لهو خير وأبقى من النصوص والممارسات العقيمة بتخصيص نسبة 50 في المائة من المقاعد للعمال والفلاحين، التي هي بدعة لا يأخذ بها أي دستور آخر في العالم في الوقت الحاضر. بينما تخصيص حصص مئوية للنساء والأقليات هو ممارسة مستقرة في العديد من البلدان الديمقراطية.

لا شك أن البعض قد ينزعجون من هذا الاقتراح، وربما يذهبون إلى أنه يكرس الطائفية. وربما يتذكرون كيف رفض الأقباط مثل هذا الاقتراح قبل ثمانين عاماً، أي أثناء إقرار دستور 1923 ولكن ليت دستور 1923، وليت الروح الليبرالية التي صاحبته يعودان إلى مصر المحروسة، وإلا ما كنا قد طرحنا هذا الاقتراح. إن بلجيكا وهولندا وسويسرا وأسبانيا تأخذ بهذه الممارسة. فضمان المشاركة الحقيقية لكل المواطنين أهم من الادعاءات الكاذبة بعدم وجود التفرقة الطائفية، وهو الأمر الذي يهمس به كل الأقباط، ويجهر فقط بعضهم به، ويمارسه الحزب الوطني الحاكم في كل انتخابات. وإلا كيف نفسر أنه لم يرشح إلا اثنين من الأقباط ـ أي أقل من نصف في المائة في انتخابات 2005. فلنكف عن الكذب والنفاق والرياء. والله أعلم.


 

اضطهاد الشيعة في عصر مبارك

د. سعد الدين ابراهيم

سبتمبر 2005

 

خلال السنوات الثلاث التي تعرضت فيها لسجون الرئيس حسني مبارك (2000-2003) لاحظت ضمن ظواهر عديدة وغريبة نمطاً متواتراً ومتكرراً، ألا وهو قضية "أمن دولة" يصاحبها صخب إعلامي هائل، ويقبض خلاله على مجموعة من الأشخاص ـ معظمهم شباب ـ تأتي بهم السلطات إلى أحد سجون طره التي جربت أنا شخصياً ثلاثة منها، وتوجه لهم تهم غليظة تتراوح عقوبتها، لو ثبتت عليهم، ما بين ثلاث سنوات وخمس وعشرين سنة. والطريف أن معظم هذه القضايا، إن لم تكن جميعها، يتضح بعد ذلك أنها قضايا ملفقة، أو ينقصها أدلة دامغة، أو أن قوانين تجريمها غير دستورية. وأثناء وجودي في سجون طره، مرت عليّ من هذه القضايا الآتي" قضية عبدة الشيطان، وقضية أنصار الشيخة منال، وقضية الشواذ، وقضية القرآنيون، وقضية منكري السنة، وقضية التنظيم الشيعي. وهذه الأخيرة هي موضوع هذا المقال.

بعد نشر مقالي"اعتذار للأقليات في العالم العربي"، في "المصري اليوم" (17/9/2005)، انهالت عليّ الرسائل والمكالمات الهاتفية، معظمها يثني ويحي، وبعضها يستنكر ويمتعض من مجرد وجود "أقليات"، ويستنكر الاعتذار لها، وقال أحدها "يحمدوا الله أننا (أي الأغلبية المسلمة العربية السنية) لم نقم بإبادتهم"!.

ثم جاءتني رسائل مستفيضة بالفاكس، تلتها زيارات شخصية لعشرات من المصريين المسلمين الشيعة، كان أهمها السيد محمد الدريني، أمين عام المجلس الأعلى لرعاية آل البيت، الذي اعتقل منذ حوالي سنتين، بتهمة الانتماء إلى المذهب الشيعي، إلى أن تدخلت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وأصدرت القرار رقم 5 لسنة 2005، الذي أدان اعتقال الدريني، ووصف موقف وزير الداخلية بالالتفاف على القانون. وكانت أهمية لقاء محمد الدريني أن الرجل لا يتحدث إلا بالوثائق والأسانيد. فما هي مظاهر اضطهاد الشيعة في مصر، في عصر الرئيس حسني مبارك، وما هي جذور مشكلتهم؟

*بداية، ارتبط ظهور المذهب الشيعي بالفتنة الكبرى، في منتصف القرن الهجري الأول، حيث انقسم المسلمون الأوائل حول مسألة أحقية ومشروعية من يخلف الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، في حكم الدولة الإسلامية الفتية. فقد كان هناك من يعتقدون أن "الخلافة" يجب أن تكون شورى بين الصحابة (أي أقرب إلى الانتخابات بلغة عصرنا). وكان هناك من يعتقدون أن الخلافة ينبغي أن تظل بالوراثة في آل بيت الرسول الكريم، وهم: علي ابن عمه، وزوج ابنته فاطمة وحفيديه، الحسن والحسين. وكان هناك فريق ثالث، خرج عن رأي الفريقين. وتحول خلاف المسلمين الأوائل حول هذه المسألة إلى صراع مسلح، أريق فيه دماء غزيرة، على امتداد أربعة عشر قرنا، هي مجمل التاريخ الإسلامي. المهم في هذه العجالة التاريخية أن من اعتقدوا في مبدأ الوراثة لآل البيت النبوي، وتشيعوا، أي ناصروا، الخليفة الراشد الرابع، علي بن أبي طالب، في صراعه مع المنشقين على خلافته بقيادة معاوية بن أبي سفيان، هم من الذين أصبح يطلق عليهم أنصار أو أبناء المذهب الشيعي. وحُسم الصراع المسلح لصالح معاوية وأسرته التي توارثت الحكم من بعده، وهي الأسرة الأموية، على نحو ما نعرف من كتب التاريخ.

* ولكن حسم الصراع المسلح شيء، والاختلاف في العقيدة شيء آخر، لا يمكن حسمه بالاقتتال والاعتقال. وذلك بدليل أن من تشيعوا لعلي بن أبي طالب وولديه الحسن والحسين، وذريتهم من بعدهم، ظلوا على معتقداتهم رغم خسائرهم السياسية وهزائمهم العسكرية خلال القرون المتعاقبة. صحيح أنه في عدد محدود للغاية من البلدان الإسلامية، وصل عدد من الحكام الذين يدينون بالمذهب الشيعي إلى قمة السلطة. من ذلك ما حدث في القرنين التاسع والعاشر الميلادي من وصول الفاطميين إلى السلطة في بلدان المغرب العربي، والذي توجه الفاطميون بغزو مصر، وجعلها مقراً لخلافتهم. فهم الذين بنوا مدينة القاهرة (969م) بواسطة أحد قادتهم العظام وهو جوهر الصقلي، لكي تصبح عاصمة الخلافة الفاطمية الشيعية. وكان ضمن أهم معالم عاصمة الفاطميين الجديدة، تشييد الجامع "الأزهر"، والذي أخذ هذا الاسم تيمناً بالسيدة "فاطمة الزهراء"، التي هي بنت الرسول وزوجة الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، وأم ابنيه الحسن والحسين. وتحول المصريون المسلمون أثناء حكم الفاطميين إلى المذهب الشيعي. وكان الأزهر هو منارة هذا المذهب خلال القرون الثلاثة التالية. ولم يكن ذلك غريباً بالمرة "فالناس على دين ملوكهم"!ولكن كما يقول عالم الاجتماع المصري الراحل، الدكتور سيد عويس، أن المذهب الشيعي لقي ميلاً حقيقياً لدى المصريين، مسلمين منهم وأقباطاً. لماذا؟

يذهب العالم الجليل إلى أن قصة التنكيل بالحسن والحسين، ثم استشهاد الحسين والتمثيل بجثته، استدعت بهولها للمصريين جميعاً الأسطورة المصرية القديمة لإيزيس وأوزوريس، والشقيق الشرير (ست)، كما استدعت القصة للأقباط خصوصاً، مشهد تعذيب وصلب المسيح عليه السلام. ففي القصص الثلاث هناك "الخير"، الذي تمثل في أوزوريس، والمسيح والحسين. وهناك "الشر"، الذي تمثل في ست، الذي قتل ومزق جسد أوزوريس، ونثر أجزاء هذا الجسد على كل أرجاء مصر، وهناك ياهوزا الإسقريوطي، الذي وشى بالسيد المسيح لدى الرومان واليهود، فعذبوه وصلبوه حتى استشهد، قبل أن يبعث بعد ذلك حيا.. وبالمثل تمثل الشر في يزيد ابن معاوية في المشهد الحسيني يوم عاشوراء. وفي المشاهد الثلاثة كانت هناك دائماً الرحمة والحنان متمثلة في امرأة طاهرة ـ هي إيزيس، ومريم البتول، وفاطمة الزهراء.

ويذهب د. سيد عويس إلى أنه حتى بعد أن انحسر المذهب الشيعي رسمياً، مع تغير الملوك والخلفاء، الذين أعادوا المذهب السني، فقد ظل المصريون بقلوبهم من أحباء أهل البيت، أي من المتشيعين لهم، أي أنهم "شيعة قلباً"، حتى لو كانوا أو تظاهروا بأنهم "سنة قالباً". وربما يفسر ذلك أن موالد آل البيت هي الأشهر والأكبر، بدءاً من مولد الحسين، إلى السيدة زينب، إلى السيدة عائشة، إلى السيدة نفيسة. ومن هنا أيضاً اعتزاز آلاف المصريين بانتسابهم إلى "الأشراف"، ولجوء ملايين من المصريين إلى اختلاق أو اصطناع مثل هذا النسب. ومن هنا نجد أن المجلس الأعلى لآل البيت وجمعياته الفرعية تضم في عضويتها أكثر من أربعة ملايين عضواً. والخط الفاصل بين آل البيت والشيعة، هو خط وهمي. فمعظم أولئك وهؤلاء يحملون نفس المشاعر والمعتقدات. ورغم ذلك ورغم تراث مصر الشيعي العريق إلا أن السلطات الأمنية المصرية يحلو لها أن تجعل من هذه المسألة الوحدانية العقيدية قضية "أمن دولة"، فتلقي القبض على المتحدثين أو النشطين من آل البيت، بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيعي يهدف إلى قلب نظام الحكم. وكالعادة حينما يتم القبض على هؤلاء فهم يتعرضون للتعذيب والتنكيل، لكي يعترفوا أو يتوبوا وينيبوا عن معتقداتهم، وكأننا عدنا إلى عصر يزيد والحسين. فيا للجاهلة، ويا للجاهلية!.

وربما كان أحد أسباب الشك ثم العداء للشيعة في مصر هو نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية، بقيادة آية الله القميني، والذي صرح هو وأنصاره منذ البداية بأنهم ينوون تصدير نفس الثورة الإسلامية إلى كل بلدان العالم الإسلامي. وزاد الطين بلة أن شاه إيران الذي اقتلعته الثورة الإيرانية لجأ إلى مصر ليعيش حتى نهاية حياته، في حماية الرئيس أنور السادات في تلك السنوات زادت العداوات وحملات الهجوم المتبادلة بين الحكومة المصرية ونظام القميني. وبالطبع كان على الأجهزة الأمنية المصرية أن تفترض أسوء الاحتمالات، وهي لجوء أنصار القميني إلى تجنيد الشيعة المصريين لكي يقوموا بالدور الثوري الانقلابي المتوقع. ومع حرب العراق 2003 وصعود قوة الشيعة في العراق والبحرين، لابد أن الأجهزة الأمنية زادت شكوكها في احتمالات تسرب الأفكار وتجنيد العملاء في مصر المحروسة.

ولكن لماذا تضاعفت هذه القضايا في عهد حسني مبارك؟ والإجابة تكمن في طبيعة الحكم العسكري الذي ورثه مبارك، وتحول معه بعد اغتيال الرئيس السادات إلى حكم بوليسي. فبدلاً عن دولة المخابرات العسكرية التي سيطرت على مقاليد الأمور وحدها في الحقبة الناصرية، أبدعت الحقبة المباركية بإضافة شريك جديد وهو جهاز مباحث أمن الدولة،. وفي الحقبة الناصرية كثرت وتعددت قضايا التخابر والتجسس، كأحد آليات تبرير بقاء دولة المخابرات في السيطرة والهيمنة والإيحاء للحاكم بأنه لولاها لسقط نظام الحكم. وهذا هو ما يحدث مع الدولة البوليسية المباحثية. فلا بد لها أن تجد مؤامرة أو تنظيم يهدد وحدة المجتمع ويدنس معتقداته ويشق صفوفه، كل عدة شهور، حتى لو ثبت بعد ذلك أن لا صحة ولا أساس لكل هذه المؤامرات والتنظيمات. فمثل الدولة المخابراتية، لا بد للدولة البوليسية من تبرير وجودها واستمرار هيمنتها على العباد والبلاد. وكما لم تمنع دولة المخابرات وقوع الهزيمة عام 1967، لم تستطع الدولة البوليسية، لا منع مذبحة الأقصر (1997) ولا طابا (2004)، ولا شرم الشيخ (2005). إذاً كيف لها أن تمنع ذلك وهي مشغولة بمطاردة الشواذ جنسياً، وعباد الشيطان، وأنصار الشيخة منال، ومدعي النبوة، ومحاصرة واعتقال آل البيت والشيعة؟

فيا سادة يا كرام في لاظوغلي ومدينة نصر والقصر الرئاسي: كفوا عن ملاحقة البشر بسبب المشاعر والمعتقدات. فهذه أمور ضميرية وجدانية، حسابها عند الله وحده، جل علاه.

         

دارفور فى السودان

دارفور... أحدث النكبات العربية

 د. سعد الدين ابراهيم

يونيو 2004

 

دارفور، لمن لا يعرف، هي الإقليم الذي يقع في أقصي غرب السودان، وتسكنه قبائل زنجية مسلمة هي قبائل "الفور"، ولأن الإقليم هو موطنهم الجغرافي والتاريخي، فقد أطلق عليه العرب اسم "دار" الفور، كما أطلقوا اسم بلاد "السود" علي الوطن الأكبر، فأصبح اسمه "السودان". ولم يكن إقليم "دارفور" دائماً جزءاً من السودان، إلا في أواخر القرن التاسع عشر، بعد سيطرة الإنجليز علي مقدرات وادي النيل، مع احتلالهم لمصر (1881)، ثم تغلغلهم بالتبعية إلي جنوب الوادي، الذي كان تابعاً لمصر، منذ عهد محمد علي الكبير، مؤسس الدولة المصرية الحديثة، والذي فتح السودان، نيابة عن الدولة العثمانية في الربع الأول من القرن التاسع عشر. وكان هدف محمد علي هو اكتشاف منابع نهر النيل، واستغلال الموارد الطبيعية والبشرية للسودان في تشييد أحلامه الامبراطورية. ولم تكن "دارفور" جزءاً من هذا المشروع، لذلك لم يهتم محمد علي أو خلفاؤه في ضم دارفور إلي بقية السودان، أو لمصر، خلال ما تبقي من القرن التاسع عشر. وظلت دارفور مملكة قبلية تقليدية، تتسع أو تنكمش مع قوة سلاطينها مقارنة بقوة جيرانهم

وحينما بسطت بريطانيا هيمنتها علي مصر، والسودان المصري، إثر نشوب الثورة المهدية، فإنها لم تكتف بالتغلغل جنوباً، وتغيير الاسم إلي "السودان المصري- الإنجليزي"، ولكنها امتدت غرباً وضمت "كردفان" و "دارفور" إلي هذا السودان المصري- الإنجليزي. ولأن دارفور، تحديداً، تتاخم عدداً من بلدان الجوار الإفريقية الزنجية السوداء، أهمها تشاد ونيجيريا، فإن الأغلبية الساحقة من سكانها أكثر "إفريقية" منهم "عروبة". فهم مسلمون، ولكنهم ليسوا عرباً، وليست اللغة العربية هي اللغة الأم بالنسبة لهم. ومن يتحدث العربية منهم، فقط الذين تعلموها في المدارس، ومن الاختلاط اليومي بالسودانيين العرب من الشمال، ومن وسائل الإعلام.

عاني أهل دارفور- مثلما عاني أهل الجنوب وأهل الشرق- من الإهمال والتهميش علي يد الحكومات السودانية المتعاقبة منذ الاستقلال (1956). وكانت هذه المعاناة تزداد بسبب الظروف المناخية، مثل الجفاف والتصحر، الذي يؤدي إلي هلاك قطعان الماشية لاشتداد العطش. كما كانت تزداد الأحوال بؤساً في ظل الأنظمة العسكرية- الاستبدادية- مثل نظام اللواء إبراهيم عبود (1958-1964)، واللواء جعفر نميري (1969-1985). ولكن الأسوأ علي الإطلاق كان وما يزال في ظل النظام الحالي، الذي يطلق عليه حكم "جبهة الإنقاذ"، التي جمعت بين الاستبداد والقحط والجفاف. وزاد الطين بلة، أن حكومة الإنقاذ بكل تعصبها الديني وتزمتها العنصري حاولت أن تغطي علي تعثرها وفشلها في إدارة مسألة الجنوب، بالظهور بمظهر القوة والحسم، حينما بدأت مقاومة أهل دارفور تشتد نتيجة هذه المعاناة. وارتكبت حكومة "الإنقاذ"، احد أكبر حماقاتها بإنشاء ميليشيات عسكرية من قبائل "الجنجويد" ذات الأصول العربية، لتستعين بهم من أجل البطش بالمحتجين من اهل دارفور. ولما كانت حكومة الإنقاذ مفلسة مالياً، ومنهكة عسكرياً، ومستنزفة سياسياً، فقد تركت الزمام لميليشيات الجنجويد، لكي "تنهب"، و "تسبي"، و "تغتصب". وكانت النتيجة في الشهور الستة الماضية تشريد وتشتيت حوالي نصف مليون من أهل دارفور، لجأ معظمهم إلي الأراضي التشادية المجاورة، تاركين وراءهم حقولهم ومراعيهم وقطعان الماشية إذا لم تكن ميليشيات الجنجويد قد نهبتها بالفعل. وخلال هذه المحنة لأهل دارفور تعرض مئات الآلاف من اطفالهم للموت جوعاً وعطشاً إما من سوء التغذية، أو بسبب غياب وترويع آبائهم وامهاتهم. وكان لا بد أن تنبثق من صفوف أهل دارفور مقاومة مسلحة للدفاع الجماعي عن النفس. وقد أدي ذلك بدوره إلي اتساع رقعة الحروب الأهلية في السودان. فقد أصبحنا الآن بصدد جبهة جديدة في غرب السودان. وهناك بوادر جبهة مشابهة يزيد فيها التوتر يوماً بعد يوم، لنفس الأسباب، في شرق السودان، حيث تعيش قبائل "البجا".

لماذا اخترنا كلمة "النكبة" لوصف ما يحدث في دارفور؟

أولاً: لأن ما يحدث بالفعل هو مأساة إنسانية بكل المعايير، علي النحو الذي رصدنا بعضه، أعلاه.

ثانياً: لأن العالم كله خارج الوطن العربي، كان وما يزال يتابع المأساة بقلق شديد. وتجلي ذلك في أوروبا ممثلة بالبرلمان الأوربي، وعدة حكومات أوروبية، ومنظمات حقوقية- مثل منظمة العفو الدولية، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، ومرصد حقوق الإنسان (هيومان رايتس ووتش)، ومنظمة "حقوق الإنسان أولاً" (هيومان رايتس فيرست). بل أن الأمم المتحدة، علي لسان أمينها العام، كوفي عنان، ومفوضية حقوق الإنسان، قد عبّرت عن قلقها المتزايد لما يحدث في دارفور. وطالبت الأسرة الدولية بتقديم المساعدات الغذائية والطبية العاجلة لأهل دارفور.

ثالثاً: كانت الضغوط والوساطات الدولية المتوالية وراء التوصل إلي اتفاق لوقف القتال وإطلاق النار بين الميلشيات الموالية لحكومة الخرطوم والمقاومة "الدارفورية"، منذ شهرين. ولكن كما هو الحال في كل الحروب الأهلية، وتعدد الميلشيات وعدم الانضباط، فإن الالتزام بهذه الاتفاقيات لا يتم احترامه، ويضع كل طرف المسئولية علي الطرف الآخر. ولكن الذي يدفع الثمن عادة، هم المدنيون، وخاصة من النساء والأطفال.

رابعاً: في كل هذا المشهد المأساوي، الذي اهتم به العالم كله، ظل العالم العربي، ممثلاً بحكوماته، صامتاً، كأن ما يحدث في غرب السودان، بإقليم دارفور، يحدث في بلاد الواق واق، أو جزر الهند الغربية. حتي حينما حاول البعض مخاطبة الجامعة العربية، وحث مؤتمر القمة الأخير، الذي عقد في تونس في أواخر شهر مايو، علي التدخل لوقف المأساة أو احتواء تداعياتها، لم تحرك الجامعة ساكناً، ولم يهتم الزعماء العرب. ولم تساهم أي حكومة عربية بإرسال الغذاء أو الكساء أو الدواء لضحايا هذا العنف الواسع النطاق.

خامساً: إن هذا التجاهل العربي الرسمي هو الذي يغري أو يدفع العالم الخارجي إلي مزيد من التدخل في الشأن العربي الداخلي بل هو الذي يدفع أهل دار فور، كما دفع غيرهم من المظلومين، إلي توجيه النداءات ثم الاستغاثات إلي العالم الخارجي لإنقاذهم من براثن حكومتهم المستبدة أو من الفوضي والبؤس والهوان. هذا ما حدث للكويتيين بعد غزو صدام حسين للكويت، وبعد أن اشتد بطش الرجل بالأكراد من شعبه حيناً، وبالشيعة حيناً. لا تتدخل الأنظمة العربية بدعوي احترام "السيادة"، وحين يتدخل الكبار الأقوياء، إما أن الأنظمة تظل علي صيحتها أو تطلق أبواقها الإعلامية للصياح الاحتجاجي ضد التدخل الأجنبي. بتعبير آخر، إذا ذبح أي نظام عربي أبناء شعبه أو أبناء شعب عربي أو إسلامي مجاور، كما فعل صدام مراراً، أو كما فعلت حكومة الإنقاذ السودانية، فإن ذلك يندرج تحت ما يمكن تسميته "ذبحاً حلالاً" من وجهة نظر الأنظمة أو الدول الأعضاء في الجامعة العربية. أما إذا تدخل غير العرب فتقوم قائمتهم، لأن هناك شبهة الخوف من "ذبح حرام" أو غير شرعي. ولم نجد من الأمين العام لجامعة الدول العربية من المبادرة والشهامة الإنسانية، مثل، ما بادر به أمين عام الأمم المتحدة في هذا الشأن الدارفوري- السوداني. فلماذا؟.

سادساً: إن للنكبات العربية ألف وجه ووجه. من هذه الوجوه تداعياتها الإنسانية العاجلة وتداعياتها السياسية والقومية الآجلة. من ذلك أن تمسك الشعب بقوميته وعروبته قد تلقي طعنة نجلاء بعد الغزو الصدامي لأراضيه. ومن قبله حدث شيء مشابه للشعب اللبناني الذي مزقته حرب أهلية طال أجلها. ومن بعده الشعب العراقي الذي تركته الحكومات والشعوب العربية تحت رحمة من لا يرحم لأكثر من ثلاثين عاماً. وهناك هواجس حقيقية أن الشيء نفسه يحدث للسودانيين بعربهم ومسلميهم وزنوجهم. فهم لم يروا من الحكومات العربية إلا تأييدها الأعمي للحكومات السودانية المستبدة، التي جلبت معها للسودان الفساد والخراب.

وأخيراً لن ينصلح حال السودان، ولن تتوقف مآسيه إلا بصيغة فيدرالية تعددية لنظام الحكم- لا فقط بين الشمال والجنوب، ولكن أيضاً تشمل الغرب والشرق. فلنندفع نحن العرب نحو هذا الحل الفيدرالي الديمقراطي، قبل أن يفرض علي السودان من الخارج، وبواسطة أطراف غير عربية.


 

على هامش نكبة دارفور

لوم الضحية في فقه المؤامرة والاستهداف

د. سعد الدين ابراهيم

أغسطس 2004

 

لا بد أن كاتبنا الكبير نجيب محفوظ، مثل كثير من عقلاء هذه الأمة، قد فاض بهم الكيل من غوغائية بعض الساسة والمثقفين العرب، الذين لا يكفون عن اتهام الخارج بتدبير المؤامرات، الواحدة تلو الأخرى، للتدخل في شئوننا، واختلاق الذرائع لاحتلال أوطاننا، والهيمنة على مصائرنا، ونهب ثرواتنا. لذلك يواصل نجيب محفوظ، للأسبوع الثاني على التوالي، في حديثه الأسبوعي للزميل محمد سلماوي (الأهرام 2/8/2004) في الإلحاح على مسؤليتنا الذاتية عن المصائب والنكبات التي تقع لنا. والتي قد تستغلها بعض الأطراف الخارجية، فعلاً، للتدحل في شئوننا. يقول الشيخ نجيب محفوظ :

" إن ما يحدث الآن (أغسطس 2004) في دارفور بالسودان إنما يثبت أننا كعرب لم نستوعب بعد حقائق العصر الذي نعيشه. ففي عالمنا هذا لم يعد هناك ما يمكن أن يعتبر شأناً داخلياً. فقد صغر العالم وتقاربت أطرافة التي كانت تبدو في عصر آخر نائية. وصار ما يحدث في أقصى الأقاليم السودانية يحظى باهتمام جميع دول العالم، كما يثبت قرار الأمم المتحدة الأخير في هذا الشأن. ومن ثم فإن ذلك يعطي بعض القوى التي تسعى للتدخل في المنطقة والسيطرة عليها فرصة لتحقيق أهدافها. إن علينا أن نعرف أنه في عصر العولمة الذي نعيشه فإن أي شيئ يحدث في أقاصي إقليمنا يسمع صداه في جميع عواصم العالم وتبث صوره جميع قنوات التليفزيون..."

ورغم أن هذا هو الإدراك الواعي لكاتب في التسعين من عمره، إلا أن جيلاً أصغر بحوالي خمسين سنة ما زال يردد نفس حديث المؤامرة والاستهداف من الخارج، دون أي نقد ذاتي، أو مراجعة حقيقة ما تردده الأنظمة العربية الحاكمة، التي عهدناها جميعاً مستبدة كذوبة.

من ذلك ما أفردت له مجلة أسبوعية تصدر عن مؤسسة الأهرام، وهي "الأهرام العربي"، التي خصصت ملفاً كاملاً في عددها بتاريخ 31/7/2004 لموضوع دارفور، بعنوان رئيسي بارز على الغلاف "المؤامرة عنوانها النفط"، وعنوان فرعي هو "مفتاح صندوق انتخابات بوش في دارفور". بل ويبدأ الملف بافتتاحية لرئيس تحرير المجلة، الزميل أسامة سرايا، عنوانها "من دارفور... إلى المسجد الأقصى". وهكذا في عدة كلمات وعناوين أوحى أسامة سرايا بمفردات التنويعة المعتادة لنظرية "المؤامرة"، التي أدمنها العقل العربي في العقود الخمسة الأخيرة. ففيها كل عناصر الوجبة الدسمة للمؤامرة وهي: أمريكا، والغرب، وإسرائيل كمتآمرين، طامعين، أشرار، وفيها "نفط"، ومياه، وأنهار، ومعادن، كمطمع لهؤلاء الأشرار. وفيها "عرب" و "مسلمين" كضحايا مستهدفين. والتنويعة الإضافية هذه المرة هي "صندوق الانتخابات" الرئاسية في الولايات المتحدة. فقد ادعت كاتبة اسمها د. أماني الطويل في نفس عدد الأهرام العربي أن "قطار التدخل الدولي السريع بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أوشك أن يدخل محطة دارفور السودانية التي اختلط فيها الحابل بالنابل. فلم تعد هناك خطوط فاصلة بين الشأن السياسي والشأن الإنساني، حيث يتلاعب بمصير أكثر من مليون سوداني نازح ومشرد في الصحراء، المحترفون في واشنطون ولندن والخرطوم، بينما الهواة من السياسيين الجدد، من أبناء دارفور، ينتقلون بين العواصم العالمية حيث أسكرتهم خمرة النجومية السياسية والإعلامية، فأفتقدوا القدرة على طرح أجندة سياسية متماسكة".

وهكذا تعزو د. أماني الطويل النكبة الإنسانية في دارفور إما لمحترفي السياسة في واشنطون ولندن أوالخرطوم، وبهذا الترتيب، أي واشنطون ولندن أولاً وثانياً، ثم الخرطوم في المقام الأخير. أما الفريق الثاني المسئول عن نكبة دارفور فهو في رأي د. أماني الطويل، فريق من هواة السياسة الجدد من أبناء دارفور، الذين لعبت خمر النجومية بعقولهم، فقدموا أكثر من مليون من ذويهم قرابين على مذبح هذه النجومية المبتغاه! وهي تنتقد هؤلاء الهواة الجدد لأنهم لا يمتلكون أجندة سياسية متماسكة"!!.

إن مثل هذا التحليل الذي يتراوح بين السذاجة، مع أحسن الظنون، و "التضليل"، مع أسوأ الظنون، قد أصبح نمطاً شائعاً في الصحافة المصرية والعربية. وسيقتصر تفسيرنا هنا على فرضية أحسن الظنون، حيث لا توجد مصلحة ذاتية للأهرام العربي ـ سواء من خلال رئيس التحرير (أسامة سرايا) أو د. أماني الطويل التي أعدت ملف العدد.

نبدأ نقدنا لهذه المدرسة في الإعلام العربي عموماً والمصري خصوصاً، بنزعتها لوضع "اللوم على الضحية". فالقيادات السياسية في دارفور هي المسئولة، في نظر هذه المدرسة عما حدث ويحدث لأهاليهم، من تشريد ونزوح وجوع وموت. فهذه القيادات هي، أولاً، "هاوية" وليست "محترفة". وهي، ثانيا،ً تبحث عن "النجومية" خارج الحدود. وهي، ثالثاً، تركت النزعة للنجومية تستبد برؤوسها حتى أسكرتها تماماً. ولذلك افتقدت، رابعاً، إلى صياغة أجندة سياسية متماسكة". أي أنها لو كانت تملك مثل هذه الأجندة، ولم تنزع إلى النجومية، فربما كانت نكبة دارفور لم تقع أصلاً، أو كان يمكن احتوائها بسرعة.

إن عناصر نكبة دارفور ضاربة بجذورها إلى عدة عقود مضت. ولكنها تفجرت فقط منذ عامين، وبدأ العالم ينتبه إليها منذ عام واحد، ثم تعالت صيحات المجتمع الدولي منذ ستة شهور فقط، ثم منذ شهر واحد، قرار مجلس الأمن الذي يعطي الحكومة السودانية ثلاثين يوماً لوقف العنف، بنزع سلاح "الميليشيات" الحكومية العربية المعروفة باسم "الجانجويد".

وعلى حد علمي وبناء على مصادر سودانية ودولية، فإن "حركة تحرير السودان"، و"حركة العدل والمساواه" وغيرهما من تكوينات وتنظيمات سياسية في دارفور، هي جميعاً حديثة النشأة، ولا يتجاوز عمر أقدمها خمس سنوات. أي أن قياداتها هي فعلاً من "الهواة"، على حد تعبير د. أماني الطويل. ولكن السؤال للدكتور أماني وغيرها هو "ماذا عمن يحكمون السودان من الخرطوم منذ الإنقلاب العسكري ـ الديني، الذي سمي نفسه بنظام جبهة الإنقاذ، والذي استولى على السلطة منذ عام 1989 ـ أي منذ ستة عشر عاماً؟ ألا تكفي هذه السنوات الطويلة في السلطة لكي يكونوا محترفين؟ اظن أن د. أماني تقر بأنهم كذلك، فلماذا لم تتوقع منهم أو تطالبهم بأن يكون لديهم "أجندة سياسية متماسكة"؟

حقيقة الأمر أنه كانت لدى جبهة الإنقاذ أجندة سياسية متماسكة في سنواتها العشر الأولى (1989ـ 1999)، حيث صاغ لها د. حسن الترابي برنامجاً إسلامياً عربياً شرعيا لحكم السودان، بمسلميه ومسيحييه ومشركيه، بعربه وزنوجه وأعاجمه. وتبنى اللواء عمر البشير ـ (الذي أصبح فريقاً، ثم مشيراً) ـ بعد الإنقلاب، برنامج الترابي، وتحمس له، وقاتل من أجل تطبيقه. وفي معمعة هذا الحماس لتطبيق هذا البرنامج الشرعي الإسلامي ـ العربي، المتماسك، تسببت جبهة الإنقاذ في تفكيك السودان، وسفك دماء مليونين من أبنائه، معظمهم في الجنوب، وتشريد ثلاثة ملايين آخرين، منهم مليون في غرب السودان، وهو دارفور.

المسألة، إذن، ليست وجود برنامج سياسي متماسك من عدمه. فمثل هذه البرامج الأيديولوجية المتماسكة أدت إلى الاستبداد، وأدى الاستبداد بدوره إلى الفساد، وأدى هذا الأخير إلى الخراب. إن ثلاثية "الاستبداد ـ الفساد ـ الخراب"، كانت تحدث في السودان منذ إستيلاء الفاشية العسكرية ـ الدينية على مقاليد السلطة في السودان (1989) تحت المسمى الخداع "جبهة الإنقاذ". ولكن نفس هذه الثلاثية البغيضة تجلت بشكل درامي في دارفور خلال السنة الأخيرة، لذلك جذبت اهتمام العالمين ـ في الداخل والخارج.

إن أنظمة الحكم العربية تتضامن ـ من خلال جامعتهم العربية ـ في التستر على ثلاثية الاستبداد والفساد والخراب، لأن ذلك يخدم مصالحها. ولكن لماذا يساهم بعض المثقفين والصحفيين العرب في مثل هذا التستر؟ لماذا يظل أمثال نجيب محفوظ صوتاً وحيداً يصيح في البرية العربية الموحشة؟

لقد ارتكبت الأنظمة العربية نفس جريمة الصمت هذه بالنسبة لنظام الرئيس السوري السابق حافظ الأسد عندما دك مدينة حماة بطائرات سلاح الجو السوري، في أوائل الثمانينات، وقتل ما يزيد عن عشرين ألفاً من أبناء المدينة، للتخلص من عدة مئات من معارضيه من الاخوان المسلمين. ولم يرتفع وقتها صوت حكومة عربية واحدة أو مثقف أو صحفي عربي واحد للاحتجاج ـ بدعوى أن سوريا كانت وقتها تقود جبهة "الصمود والتحدي" في مواجهة إسرائيل والغرب.

واستمر هذا التواطئ المتبادل بين الأنظمة العربية الحاكمة في عدة حالات نكل فيها النظام الليبي بمعارضيه داخل ليبيا، أو بالعرب المعارضين من خارجها. ولعلنا نذكر اختفاء الزعيم الشيعي اللبناني موسى الصدر أثناء زيارته ليبيا في الثمانينيات، ثم اختفاء المعارض الليبي منصور الكنحيا، الذي كان وزيراً لخارجية ليبيا، بعد اختطافه من فندق سفير بالدقي في القاهرة في أوائل التسعينيات. ومرة أخرى برر المثقفون صمتهم بأن "الأخ معمر" هو أيضاً أحد أركان جبهة الصمود والتصدي.

وأخذ التواطئ طابعاً عنصرياً طائفياً بغيضاً في حالتي استخدام النظام العراقي لصدام حسين أبشع أساليب الإبادة والتنكيل ـ بداية ضد جيرانه الإيرانيين (1980-1988) بدعوى أنهم "فرس مجوس". وأن نظام صدام يحرس البداية الشرقية للأمة ضد حجافلهم. ومرة ثانية عندما استخدم الغازات السامة ضد مواطنيه الأكراد في "حلبجة" ـ بدعوى أنهم غير عرب، ولديهم نزعات انفصالية. ومرة ثالثة ضد جيرانه العرب الكويتيين. وكان صمت معظم المثقفين العرب هذه المرة، هي لأن الكويتيين أثرياء، وأنهم استغاثوا بالغرب الاستعماري لإنقاذهم!.

وهكذا يتكرر مسلسل الاستبداد وحماقاته في الداخل ومع الجيران. ويستمر التواطئ المتبادل للأنظمة لمصالح معروفة، كما ذكرنا آنفاً. ولكن المدهش والمزعج والمحزن، أن يتحول بعض المثقفين والإعلاميين إلى شركاء في جريمة الصمت، ويبررون لهذه الجريمة بشتى الأعذار. ومن آخر هذه المبررات، وضع اللوم على "الضحية" ـ كما في حالة دارفور.

فلا حول ولا قوة إلا بالله


 

الأصوليات والعنتريات والنكبات في الوطن العربي

 د. سعد الدين ابراهيم

أغسطس 2004

 

في حديثه الأسبوعي مع محمد سلماوي (الأهرام 5/8/2004)، يتساءل كاتبنا الكبير نجيب محفوظ "ما هذا الذي يحدث في العالم العربي؟ لقد كانت فلسطين هي بؤرة الصراع في المنطقة، وكانت هي الجرح الدامي منذ سنين، والآن تعددت الجراح. فهناك العراق، وها هي السودان تتحول هي الأخرى إلى بؤرة صراع واقتتال، وهو شئ غير مفهوم وغير مقبول من أي طرف عربي. فإذا كنا نعرف جيداً أننا كعرب مستهدفون، فلماذا نفعل ما يغري الآخرين بنا؟ هذا ما حدث في العراق حين هددت الولايات المتحدة بغزوها، فاتخذت القيادة العراقية بعض المواقف العنترية المتحدية التي سهلت عملية الغزو، وأعطتها ذريعة نعرف جميعاً أنها كانت زائفة. إن الشئ نفسه يبدو أنه يحدث في السودان. فهناك قوى تتربص بالسودان منذ فترة وتبحث لنفسها عن ذريعة. وها نحن نتعامل مع هذه القلاقل التي تشهدها منطقة دارفور بطريقة تثير حفيظة القوى وربما أعطتها الحجة التي تبحث عنها لكي تتدخل متعللة بالحفاظ على حقوق الإنسان، ولوقف ما تسميه "حرب الإبادة" التي تجرى هناك، وعندئذ سنندم حيث لا ينفع الندم".

في اليوم التالي، كتب الصحفي اللامع مجدي مهنا في جريدة المصري اليوم (6/8/2004) معلقاً على نفس أحداث دافور "لماذا دارفور الآن؟ وماذا بعد دارفور؟ بعد قيام القوات الأمريكية بضرب أفغانستان، طرحنا السؤال: وماذا بعد أفغانستان؟ وكانت العراق هي المحطة الثانية... إن ما يجري في دارفور من  السهل بيعه وتسويقه إلى الشعب الأمريكي على أنه يدخل ضمن الحرب على الإرهاب. والذي يشغلني حقيقة ليس دارفور... إنما معرفة المحطة الثالثة بعد دارفور؟ ومن سيكون عليه الدور بعد السودان؟ هل ليبيا؟ هل سوريا؟ هل لبنان؟ هل إيران؟ هل مصر؟ " ثم يخلص مجدي مهنا إلى الإجابة التي أعد القارئ لها: "نعم مصر. فما جرى في العراق هو إضعاف لدور مصر... وما ينفذ الآن من سيناريوهات في الأرض المحتلة وقطاع غزة هو إضعاف لهذا الدور. وما يخطط الآن في غرب السودان هو استمرار في مسلسل تركيع مصر".

إن الفارق العمري بين نجيب محفوظ ومجدي مهنا هو حوالي أربعين عاماً. وهناك فارق مهني، حيث الأول "روائي" والثاني "صحفي"... وربما هناك فروق أخرى لا أعرفها. ولكن الفارق الأهم ـ في رأيي ـ هو أن أولهما نشأ وترعرع في ظل "مصر الليبرالية"، وثانيهما ـ أي مجدي مهنا ـ نشأ وترعرع في ظل "مصر الشمولية". ومن هنا اختلفت رؤية كل منهما لما يحدث في "دارفور والسودان"، ومن قبلها العراق، ومن قبلها فلسطين. فنجيب محفوظ لا يتجاهل العوامل الخارجية في مشكلات وأزمات هذه البلدان الثلاثة، ولكنه يضع المسئولية الأساسية على أكتاف النظام العربي الحاكم، أو على أكتاف النظام العربي الإقليمي كله. بينما الزميل مجدي مهنا، يضع هذه المسئولية كاملة على الأطراف الخارجية عموماً، وعلى أمريكا خصوصاً. ويتضح هذا جلياً من المفردات التي استخدمها كل من "الروائي" و "الصحفي". في حديث نجيب محفوظ، الذي لم تتجاوز كلماته مائة وعشرين كلمة، كانت هناك فكرة مركزية، وهي "إذا كنا نعرف جيداً كعرب أننا مستهدفون، فلماذا نفعل ما يغري الآخرين بنا؟".

فكان نجيب محفوظ يرد مقدماً، على تساؤلات مجدي مهنا، التي جاءت في اليوم التالي، والح فيها على "الاستهداف" و "المخطط" و "السيناريو"، الذي أعده الآخرون للعرب عموماً ولمصر خصوصاً. فهل كان نجيب محفوظ  يعلم مسبقاً ما سيتساءل عنه مجدي مهنا لاحقاً؟ لا أعتقد أن نجيب محفوظ كان يعرف ذلك تحديداً، وأشك أنه حتى يعرف مجدي مهنا شخصياً، الذي هو أصغر منه بجيلين، ولم يبزغ نجمه كصحفي إلا في السنوات العشر الأخيرة. ولكن نجيب محفوظ كان يدرك ما سيقوله كثيرون ممن نشأوا وترعرعوا في الحقبة الشمولية، حتى لو لم يكونوا من أنصار الأنظمة الشمولية. ومعرفتي الشخصية بالزميل مجدي مهنا، الذي عقد معي لقاءات صحفية مطولة، تجعلني أقطع بأنه ليس من أنصار "الشمولية"، ولكنه مثل عديدين، ضحية المناخ الشمولي الذي نشأ فيه جيلين كاملين (والجيل عند ابن خلدون هو خمسة وعشرين عاماً)، أي خلال الخمسين سنة الأخيرة. وقد صبغ هذا المناخ الشمولي تفكير أغلبية العرب والمصريين. فما هي ملامح أو صبغة هذا المناخ؟.

إن الشمولية بطبيعة اسمها تقدم رؤية "شاملة" للكون وللحياة، تستند أو تدور حول محور أساسي واحد، تختزل فيه وتنظر من خلاله إلى كل جوانب الواقع الذي نعيشه، مهما كانت تعقيداته، ومهما تعددت مفرداته، ومهما تداخلت هذه الجوانب أو تقاطعت هذه المفردات. وبهذا المعني فإن الشمولية تنطوي على "راحة ذهنية"، حتى لو كانت راحة ذهنية مؤقتة، أو زائفة، أو مضللة. وبهذا المعنى أيضاً فإن "الشمولية" و "الأصولية" هما وجهات لنفس العملة: فكل شئ يتم رده إلى عامل مركزي واحد "أصيل"، وكل مفردات الواقع يمكن إعادة ترتيبها وتركيبها في إطار "شامل" واحد. ورغم أن "الأصولية" ارتبطت تقليدياً بالأيديولوجيات الدينية الأخروية، بينما ارتبطت "الشمولية" بالأيديولوجيات الدنيوية والمادية، إلا أنهما يشتركان معاً في اعتمادهما على نظرية العامل الرئيسي الواحد الأوحد في التفسير، والتبرير، والتأطير. وضمن هذه الأصولية أو الشمولية، تبرز مفردات مثل "الاستهداف" و"المخططات" و"السيناريوهات" و "المؤامرات". وأخطر ما في ذلك كله هو أن التسلسل ينتهي بنظرية "المؤامرة"، وهي مريحة ذهنياً، ولكنها مستحيلة الاختيار  والتمحيص عملياً أو معملياً أو علمياً. فالمخطط التآمري، أو المؤامرة بطبيعتها تكون "سرية"، ولأنها كذلك فهي تنتمي إلى عالم "الغيب" وليس إلى عالم "الشهادة" الذي يخضع للرؤية والتبين والاختيار والتحقق!.وعودة إلى دارفور والسودان، فما هو الذي شاهده العالم، من خلال الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية؟

1ـ خلال العام الأخير ـ أي من منتصف عام 2003 إلى منتصف عام 2004، تم تشريد 1.2 مليون من سكان دارفور، غرب السودان، وقتل أو موت أكثر من مائتي ألف طفل وامرأة ورجل، نتيجة اشتباكات مسلحة، أو نتيجة الجوع.

2ـ إن العنف والاقتتال يتم بين ميليشيات بعضها وافد من عرب أقاليم السودان المجاورة لدارفور، ويسمون "الجانجويد" (أي جان يركبون جواداً) وبعضها من سكان دارفور أنفسهم. ويدعي أهل دارفور أن ميليشيات الجانجويد من العرب داهموهم بتشجيع من حكومة الخرطوم، التي يسيطر  عليها عرب مسلمون".

3ـ إن حكومة الخرطوم العربية ـ المسلمة هذه، تسمي نفسها منذ استولت على السلطة عام 1989 بحكومة "جبهة الإنقاذ"، ويرأسها اللواء عمر البشير. وهي نفس الحكومة التي أعلنت "إسلاميتها"، وبرنامجاً لتطبيق الشريعة، مما أجج حرباً أهلية في جنوب السودان الذي تقطنه قبائل معظمها غير عربية وغير مسلمة.

4ـ هذه الحرب الأهلية الممتدة في جنوب السودان، مع سوء إدارة نظام حكومة الإنقاذ، أدى إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية في كل السودان. ولعل المؤشر البارز لذلك هو تدهور قيمة الجنيه السوداني الذي كان يساوي ثلاثة دولارات أمريكية عام 1978، فإذا به يتدهور إلى أن يصبح الدولار الأمريكي الواحد مساوياً لـ 2600 جنيه سوداني عام 2000، طبقاً للمصادر الرسمية السودانية نفسها. وقفزت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر من 52 في المائة إلى 91 في المائة خلال نفس الفترة (1978 ـ 2000).

5ـ ولأن إقليم دارفور  هو الأكثر تهميشاً وإهمالاً، وبسبب إنشغال حكومة الإنقاذ في حربها الأهلية الأولى في جنوب السودان، فقد تضاعف تهميش وإفقار إقليم دارفور، فتمرد سكانه على حكومة الإنقاذ، فأرسلت لهم ميليشيات الجانجويد لتأديبهم. ولما لم يكن لديها من الأموال ما تدفع منه رواتب لهذه الميليشات، فقد أطلقتها لتنهب، وتسلب، وتسبي، وتغتصب، وتقتل، وتحرق، مكافأة لها على أداء مهمتها.

لم يذكر المعلقين العرب والمصريين، ومنهم صديقنا مجدي مهنا، أياً من هذه الحقائق الخمس ليفسر اهتمام العالم بالمأساة الإنسانية في دارفور. ولكن الروائي نجيب محفوظ، من كثرة ما شاهده وسمعه في حياته المديدة، دخل في جوهر الموضوع مباشرة وهو "إذا كنا فعلاً مستهدفين" فلماذا نعطي الآخرين ذرائع لاستهدافنا؟ . الإجابة هي الاستبداد العربي، الذي يحكم باسم أصولية هنا أو شمولية هناك. وسواء كانت هذه أصولية تستبد باسم الإسلام ـ كما في "إنقاذ السودان" أو "طالبان أفغانستان"، أو "خومينية إيران"، أو قومية "عراق صدام، فإنها تدفع الأمور في بلدانها إلى التدهور والخراب، فتشتعل الحروب الأهلية أو مع الجيران. وفي كل الأحوال يعطي ذلك ما أطلق عليه كاتبنا الكبير نجيب محفوظ ذرائع لأطراف خارجية طامعة للتدخل في شئوننا ـ وفي حالة السودان التعيس تحكّمت فيه أصولية دينية، أججت حرباً أهلية في الجنوب، وكذلك أصولية قومية عربية، أشعلت حرباً أهلية ثانية في دارفور. فبإس الأصوليتين الشموليتين.

ولا حول ولا قوة إلا بالله.


 

شيعة و سنة العراق

هل هناك سبب للخوف من شيعة العراق؟

د. سعد الدين ابراهيم

فبراير 2005

 

هناك نغمة واضحة في معظم كتابات الصحف العربية تعبّر صراحة أو ضمناً عن مخاوف أو هواجس، وأحياناً ذعر من سيطرة الشيعة في العراق، واستئثارهم بالسلطة فيه. حتى بعض المسئولين العرب ـ مثل العاهل الأردني، الملك عبد الله بن الحسين ـ حذّر من ظهور ما سماه "مثلث شيعي" في منطقة الخليج والشرق الأوسط، ويتكون من إيران والعراق والبحرين، وهي بلدان ذات "أغلبية شيعية". ولم يكن الملك عبد الله موفقاً في هذا المقترح الغريب. فهو يوحي أن ثمة مخططاً لرجال الدين الشيعة للسيطرة على مقاليد الأمور في بلدانهم، ثم التحالف من أجل السيطرة بعد ذلك على دول الجوار ـ مثل الكويت وقطر والإمارات وعمان، وربما السعودية ـ وحيث توجد أقليات شيعية بالفعل ولكن الأهم أن تلك البلدان بالغة الثراء نفطياً.

لقد كان الملك الأردني في ذلك التصريح المتسرع الذي أطلقه قبل شهرين من الانتخابات العراقية، يعبر عن المزاج العام السائد بين مواطنيه. وهو مزاج لا يختلف كثيراً عن مثيله في بلدان عربية أخرى لم تتعود لا على الممارسة الديمقراطية، ولا على احترام حقوق الإنسان، بصرف النظر عن دينه ومذهبه وجنسه ولونه ولغته. فمن ناحية، لو كانت هناك ديمقراطية، فمن حق أي أغلبية أن تختار من يحكمونها سواء كانوا شيعة أو سنة أو أباضية (مثل عمان). ومن ناحية ثانية لو كان هناك احترام لحقوق الإنسان، لما كان هناك خوف على أبناء أي أقلية من التمتع بكل تلك الحقوق، ومنها الحق في الاعتقاد والحرية في ممارسة العبادات والشعائر والطقوس المرتبطة بهذا الحق الأصيل.

ولكن الهواجس والمخاوف، وحتى الذعر، الذي لمسناه وعبّر عن نفسه صراحة أو ضمناً هو لأحد أو كل الأسباب التالية:

1ـ الخوف من التسلط والانتقام: ففي بلد مثل العراق، الذي هو الموضوع في هذا المقال، تعرضت الأغلبية الشيعية للحرمان من المشاركة في السلطة، بما يتناسب مع وزنها البشري. أكثر من ذلك وأضل سبيلاً تعرضت قياداتها الدينية لا فقط للتنكيل، ولكن أيضاً للتصفية الجسدية بواسطة الحكّام السُنة، خاصة في عهد صدام حسين، الذي فاق استبداده كل من سبقوه في حكم العراق بما في ذلك الحجاج بن يوسف الثقفي ولعل مخاوف العرب السنة ـ داخل وخارج العراق ـ ترجع إلى الاعتقاد بأن الشيعة إذا تمكنوا من الوصول إلى السلطة فإنهم سيقومون "بثأر تاريخي"، انتقاماً من السُنة بسبب ما وقع عليهم من مظالم. لكن الرد على هذا الخوف هو في مواجهته والتعامل معه بصراحة وإنصاف. فلم يكن العراقيين العرب السُنة هم الذين "ظلموا" "وحرّموا" "ونكلوا" بإخوانهم المواطنين الشيعة والمرجعيات الشيعية تدرك ذلك جيداً من ذلك أن الخمسة ملايين عراقي من السُنة ليسوا هم الذين فعلوا ذلك بالخمسة عشر مليون عراقي من الشيعة. فالذي فعل ذلك، أو أمر به هو حاكم مستبد واحد، اسمه صدام حسين، ومن استعان بهم من أعوان. وهؤلاء يلزم محاكمتهم محاكمة علنية عادلة. وبالمناسبة، لقد تعرض الأكراد في العراق، رغم أن معظمهم من المسلمين السُنة لنفس الظلم والحرمان والتنكيل الذي تعرض له المسلمين الشيعة، أي أن الاستبداد في جبروته لم يفرّق بين سُنة وشيعة، أو بين عرب وأكراد. فقد تعسف وعسف بالجميع، وإن كان قد أوحى للعرب السُنة أنه حامي حماهم!.

2ـ الخوف من إيران الشيعية: إن إيران هي أكبر بلدان الخليج سكاناً، حيث يزيد تعدادها على السبعين مليوناً. وهي بذلك أكبر من العراق (25 مليوناً) وكل بلدان مجلس التعاون الخليجي مجتمعة (25 مليوناً). ولكن الأهم من حجم السكان هو القوة العسكرية والمطامع الاستراتيجية بإيران، وخاصة وهي على أعتاب النادي النووي. هذا ومن المعروف أن إيران ذات أغلبية شيعية كاسحة (90%). ومصدر الخوف هنا قد يكون له ما يبرره، حيث أن الذي يحكم في إيران هم رجال الدين الشيعة. أي أن إيران هي دولة دينية "ثيوقراطية" أي أننا كعرب، بل والعالم كله معنا، لدينا ما يبرر الخوف من إيران بهذين البعدين الثيوقراطي والاستراتيجي (النووي). ولكن ما لهذا والعراق التي هي موضوع هذا المقال؟ ربما هذا افترضه الملك عبد الله وآخرون، وهو لمجرد أن البلدين متجاوران وذو أغلبية شيعية، فإنهما سيتحالفان، أو يتوحدان، في تكتل عدواني توسعي على حساب جيرانهما. ولكن حقائق التاريخ والثقافة والاجتماع تجعل ذلك كله مستبعداً. من ذلك أنه كلاً من صدام حسين والخوميني حاولا العزف على هذا الوتر المذهبي ـ الطائفي ـ القومي. أثناء الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) ولكنهما فشلا فشلاً ذريعاً فلم يستطع صدام أن يستثير العرب السُنة الإيرانيين في أقليم عربستان الإيراني المتاخم للعراق، ولم يستطع آية الله روح الله الخوميني أن يستثير الشيعة في جنوب العراق. لقد حارب الشيعة في العراق بوازع الوطنية العراقية، وحارب العرب السنة على الجانب الآخر بوازع "الوطنية الإيرانية". أي أنه لا النعرة القومية العربية لصدام حسين ولا الدينية الطائفية للإمام الخوميني أفلحتا في الماضي القريب، ولا نعتقد أن أيهما سيصلح في المستقبل المنظور.

3ـ الخوف من حرب أهلية: رغم الخوف من حرب أهلية نتيجة السيطرة المتوقعة للشيعة بعد الانتخابات، إلا أننا نستبعد هذا الاحتمال. إن السُنة الذين يخافون من هيمنة الأغلبية الشيعية لن يستطيعوا أن يتحولوا إلى أغلبية بإشعال حرب أهلية. وقد حاول بعضم ذلك بالفعل بسلسلة التفجيرات والاغتيالات التي وقعت خلال العشرين شهراً الماضية ضد مرجعيات وأماكن مقدسة شيعية. والشيعة من جانبهم ليس لهم مصلحة في إشعال حرب أهلية حيث لا تجلب لهم نفعاً، بل وستؤخر وصولهم إلى السلطة. وينطبق نفس الشئ على الأكراد الذين لن يجنوا أي ثمرة من حرب أهلية. فهم يتمتعون الآن بالفعل بحكم ذاتي لم يهنأوا به أبدأ من قبل، على الأقل في التاريخ الحديث، إلى جانب مشاركتهم الحالية في السلطة المركزية في بغداد. وربما لهذه الأسباب لم يستجب لا زعماء الشيعة ولا زعماء الأكراد، لا للاستدراك ولا للاستفزاز الذي حاولته عناصر سُنية من داخل العراق ومن خارجها، وخاصة من أتباع اسامة بن لادن ووكيلة المحلي الأردني أبو مصعب الزرقاوي. وكان الزعيم الشيعي آية الله علي السستاني مثالاً للحكمة والتعقل، حيث طلب من أتباعه ومن كل العراقيين عدم الإنغماس في استخدام العنف أو اللجؤ للانتقام رداً على الاغتيالات للقيادات الشيعية أو التفجيرات في مساجدهم.

4ـ الخوف من تقسيم العراق: وهو مثل الحرب الأهلية ـ ليس في مصلحة أي من الأطراف الرئيسية الثلاثة التي يتكون منها العراق. فرغم أن الشيعة يتركزون في الجنوب والأكراد في الشمال والسنة في الوسط، إلا أن هناك اختلاطاً كثيفاً لبناء المجموعات الثلاث في كل المدن العراقية الكبرى، بما فيها العاصمة بغداد، التي تصل فيها نسبة الشيعة إلى النصف تقريباً، وخاصة مدينة الصدر، أحد معاقل الزعيم الشيعي المتمرد على الجميع، مقتضى الصدر. هذا فضلاً عن أن الثروة النفطية للعراق توجد في الجنوب (قرب البصرة) والشمال الكردي (قرب كركوك). ولا بد أن يمر هذا النفط بالوسط لشحنه إلى سوريا (اللاذقية) إلى البصرة. أما شحنه من خلال تركيا، فلن يُسمح به في حالة دولة ودويلة كردية مستقلة. فهي من حيث المبدأ فإن تركيا ضد أي استقلال للأكراد في العراق أو تركيا أو إيران. وبالتالي سيخسر الجميع من تفتيت العراق. ومرة أخرى سيكون الخاسر الأكبر هو عرب العراق السُنة. وأخيراً فإن الدول الكبرى وجيران العراق جميعاً قد أعلنوا في أكثر من مناسبة أنهم ضد تفتيت العراق، حيث أن ذلك لا يخدم مصالحهم.

وهكذا، فإن المخاوف التي يرددها البعض من العرب السنة داخل أو خارج العراق لا أساس لها من الصحة في الواقع. وعلينا جميعاً أن نتعلم أن نتعايش، بل ونستفيد من عراق ديمقراطي حتى إذا كان الشيعة يملكون فيه مقاليد الأمور. فهذا حقهم كمواطنين وحقهم كأغلبية. أقول قولي هذا واستغفر الله لي وللخائفين والمذعورين.


 

فقه العرب السنة في العراق

د. سعد الدين ابراهيم

ديسمبر 2004

 

يمثل العراقيون العرب من أهل السنة حوالي ثلث السكان وهم بهذا التصنيف الطائفي الثقافي يعتبرون ثاني أكبر مجموعة بين المجموعات العرقية العديدة في العراق ـ التي تشمل العراقيين العرب من أهل الشيعة، وهم الأغلبية (55%)، والعراقيون الأكراد، والذين يأتون من حيث الحجم في المركز الثالث (15%)، ثم بعد ذلك العراقيون التركمانيون، وهم من أصول تركية، والعراقيون الأشوريون، الذين ما زالوا يتحدثون بأحد اللهجات الآشورية القديمة، وهم مسيحيون ديانة، ويتوزعون بين الأرثوذكس والكاثوليك والسريان والبروتستانت، وكل منهم لا يتجاوز 2% من السكان. وهذه الأعداد والنسب كلها تقريبية. وحينما يتحدث أي مراقب خارجي مع أحد من هذه المجموعات فأغلب الظن أنه سيؤكد أن المجموعة التي ينتمي إليها أكبر عدداً ونسبة مما تقول "المصادر الرسمية"، وأن المجموعات الأخرى أصغر حجماً ونسبة مما تدعي هذه المصادر ـ وهذه إشكالية كلاسيكية في كل المجتمعات التعددية ـ مثل لبنان والسودان وسوريا والبحرين والجزائر.

ولكن لماذا هذه البداية لمقالنا، وما علاقته بالعنوان ـ محنة العرب السنة في العراق؟ ولماذا الآن؟

بداية، لأن العراق هذا البلد العربي الكبير والعريق، هو ملئ الأسماع والأبصار، طوال العقود الثلاثة الأخيرة عموماً، وخلال السنوات الثلاث الأخيرة خصوصاً، فقد شهد العراق ثورة دموية (1958)، ثم سلسلة من الانقلابات العسكرية المتتالية، إلى أن استقر الأمر لحزب البعث (1968)، ثم لصدام حسين وحده (1977) لا شريك له. ثم دخل العراق في ظل قيادة صدام حسين سلسلة من الحروب ـ الأهلية مع الأكراد، ثم الإقليمية مع إيران والكويت، ثم الدولية مع تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة (1991 و 2003).

ثانياً، أنه منذ الاحتلال الأنجلو ـ أمريكي للعراق (أبريل 2003) وهناك مقاومة مسلحة شرسة لهذا الاحتلال في مناطق مختلفة من العراق. ولكن معظمها وأكثرها شراسة، وقع وما يزال في مثلث جغرافي بين بغداد والرمادي والفالوجة ـ غرب ـ وسط العراق. وهو ما درجت وسائل الإعلام على تسميته "بالمثلث السني"، حيث أن أغلبية سكانه هم في الواقع من العرب العراقيين من أهل السنة.

بل وأصبحت الفالوجة رمزاً لهذه المقاومة العراقية. هذا رغم أن أحد رجال الدين الشيعة الشباب وهو مقتدى الصدر، كان قد رفع أعلام المقاومة ضد الاحتلال لعدة شهور، حيث شهدت مدينة "النجف" بدورها معارك شرسة. ولكنها انتهت بإذعانه للمراجع الشيعية الأعلى، وخاصة آية الله السيستاني. فخرج من المدينة المقدسة، وسلم مقاتلوه، الذين كان يطلق عليهم "جيش المهدي" أسلحتهم.

ثالثاً، المجموعات العراقية التي لم تقاوم الاحتلال الأنجلو ـ أمريكي هي الأكراد والتركمان والآشوريون. وهي مجموعات ظلت تشعر بالاضطهاد والتفرقة التمييزية في المعاملة طيلة العقود الخمسة الأخيرة، وخاصة في ظل حكم حزب البعث، رغم كل إدعاءاته "العلمانية" "والاشتراكية". بل أن هذه المجموعات، ونصف الشيعة العراقيين، ما زالوا بعد حوالي سنتين من الحرب ينظرون إلى قوات التحالف الغربي كقوات "تحرير" وليس كقوات "احتلال". وهذا طبقاً لاستطلاعات الرأي العام العراقي، بواسطة أكثر من معهد من معاهد قياس الرأي العام ـ مثل جالوب وجيمس زوغبي وآخرين.

رابعاً، حيث أن أمريكا هي التي قادت الحرب التي اسقطت نظام صدام حسين، بدعوى امتلاكه لأسلحة دمار شامل، وحيث لم يثبت ذلك، فقد تبدلت الحجج الأمريكية في تبرير احتلالها للعراق. وفجأة اصبحت قضية "الديمقراطية" هي الهدف من الوجود الأمريكي في العراق. ومن هنا إعلانها دعم التوجه التعددي الديمقراطي في العراق، وأنه بمجرد انتخاب حكومة مسئولة فإنها ستترك العراق. وبصرف النظر عن مصداقية أو إخلاص أمريكا من عدمه، فقد أصبح عقد الانتخابات هو الهدف المعلن لها، وقد كرّست كل جهودها ومواردها من أجل هذا الهدف. وتشاركها في هذا الهدف الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة السيد/ أياد العلاوي. ولأن الانتخابات أصبحت هدفاً أمريكياً، فإن المقاومة العراقية عموماً، والمقاومة السنية خصوصاً أصبحت تعمل على تعويق أو تأجيل أو إفساد تلك الانتخابات نكاية في أمريكا وحلفائها داخل العراق وخارجه.

خامساً، ولكن العراقيين الشيعة، على لسان مرجعيتهم العليا، آية الله السيستاني، ومعهم الحكومة المؤقتة يصرون على عقد الانتخابات في موعدها (30 يناير 2005). وأغلب الظن أن تلك الانتخابات، حتى لو أجلت قليلاً ستُعقد في نهاية المطاف ولن تكون بالضرورة محل رضا الجميع، لا قبل عقدها ولا بعد تمامها، حيث أنها من البداية تهدد مصالح البعض، وفي مقدمتهم العرب العراقيون من أهل السنة. وهنا مربط الفرس. وهنا محنة السنة!  وهي محنة لأن معظم العراقيين السنة عاشوا، وما زالوا يعيشون عدة أوهام تجعلهم، في الوقت الحاضر في حالة سخط. ولا حل للخروج من هذه المحنة، والتغلب على هذا السخط إلا بمواجهة الحقائق التي أبرزتها تطورات الأحداث العراقية والإقليمية في السنوات الأخيرة.

* الوهم الأول: السنة هم الأغلب والأجدر

هو أن السنة في العراق هم "الأغلبية"، والأكثر "وطنية"، والأعمق "عروبة"، وبالتالي فهم الأكثر جدارة بالسلطة والقيادة في العراق. إن جزءاً من هذا الوهم له جذور حقيقية. من ذلك أنهم ربما كانوا أغلبية لو أن السنة العرب والسنة الأكراد كانوا متضامنين سياسياً أو مذهبياً في مواجهة الطوائف الأخرى. ولكن الاعتبار القومي أو الثقافي عند الأكراد أهم لهم ولقياداتهم من الاعتبار الديني الطائفي ـ أي أنهم "أكراد" أولاً، ويعتزون بذلك أكثر من اعتزازهم المذهبي بسنيتهم. ثم أن الأكراد، عانوا الأمرين على يد حكام عراقيين من أهل السنة، وعلى رأسهم صدام حسين، صاحب أسوأ سجل في تاريخ العراق عموماً، وفي تاريخ الأكراد خصوصاً فهو الذي استخدم ضدهم أسلحة الدمار الشامل الكيماوية، وأباد منهم عشرات الآلاف. وإذا كانت "كربلاء" هي رمز  البلاء والفداء بالنسبة للشيعة منذ القدم، و"الفالوجة" هي هذا الرمز الآن بالنسبة للعرب السنة، فإن "خليجة" هي رمز البلاء والفداء بالنسبة لأكراد العراق، حيث كانت موقع تنكيل صدام حسين بحوالي خمسين ألفاً منهم بالغازات السامة، عقب انتهائه من حرب السنوات الثمان مع جارته المسلمة، إيران.

* الوهم الثاني: صدام حسين هو حامي الحمى للسنة

نجح صدام حسين خلال استبداده على امتداد ثلاثين عاماً أن يغرس في العرب السنة بالعراق أنه يدعمهم ويحميهم من الأكراد في الشمال ومن الشيعة العراقيين في الجنوب، ومن الشيعة الإيرانيين في الشرق. كما كرّس لديهم عقدة التفوق والتميز والاستعلاء على بقية العراقيين، وأن استمرار ذلك مرتبط باستمراره في السلطة. والجزء الأول من هذا الوهم، أن السنة العراقيين العرب في خطر هي مخاوف لا يقوم عليها أي دليل. فلم يتعرض السنة العرب في العراق لأي تهديدات أو سلوكيات عدوانية جماعية لا من الأكراد ولا من الشيعة في العراق. وإن كان ثمة توتر أو صدام فقد كان مع السلطة الحكومية في بغداد، ومع رموز الاستبداد فقط. ثم أن صدام حسين لم  يحم أحداً إلا نفسه. وقد نكل بالجميع في سبيل هذه الغاية، بما في ذلك آلاف من العرب السنة في العراق.

* الوهم الثالث: استعادة الصدارة في السلطة

نعم، سيطر السنة في العراق على مقاليد السلطة تاريخياً. كان ذلك في البداية من خلال الامبراطورية العثمانية، التي كان العراق جزءاً منها (1516-1918)، وخاصة أبان جولات الصراع  مع الامبراطورية الصفوية في إيران، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وحيث كانت أرض العراق هي ساحة المعارك بينهما. وحيث كان الصفويون شيعة، والعثمانيون سنة، فقد حابى العثمانيون سنة العراق، بتجنيدهم في جيوشهم وإدخال أبنائهم للكليات العسكرية والجامعية في استانبول، وأقطاع أعيانهم الأراضي والامتيازات. فلما حصلت العراق على الاستقلال بعد الحرب العالمية الأولى، كان معظم أبناء النخبة المؤهلين لإدارة دفة الدولة العراقية الوليدة هم من العراقيين العرب السنة. ورغم أن البريطانين كانوا سلطة انتداب مؤقتة إلا أنهم أتوا للعراق بملك من الهاشميين من الجزيرة العربية وهو فيصل الأول، وكان عربياً سنياً أيضاً. فاستمرت الهيمنة السنية، وإن بصورة "مخملية" مهذبة.

ثم جاءت الانقلابات العسكرية الدموية، والتي كان يقودها أيضاً ضباط من السنة، فكرّسوا نفس الهيمنة وإن بصورة خشنة وفظة. والأسوأ أنهم غلّفوها بغلاف "قومي عربي"، كان صدام حسين هو أسوأ وأبشع تجلياته. وفي هذا كله أتى خلال ثمانين عاماً هو عمر الدولة العراقية الحديثة لم تهنأ العراق بانتخابات ديمقراطية تفرز نخبة حاكمة تمثل كل أبنائه إلا لسنوات معدودات خلال حكم الهاشميين (1922-1958)، وهي الحقبة الليبرالية القصيرة التي توازت مع نفس الحقبة الليبرالية في مصر وسوريا ولبنان والأردن. وكانت هذه هي الفترة الوحيدة التي رأينا فيها صعوداً نسبياً لأبناء الطوائف والعرقيات الأخرى للمشاركة في السلطة مع العناصر السنية، التي ظلت لها هيمنة نسبية، ولكنها كانت هيمنة "مخملية" لم ينزعج منها أبناء الجماعات الأخرى.

وفي كل الأحوال، وكما حدث من قبل في لبنان والبحرين، فقد تغيرت الخريطة السكانية والطبقية، وأصبح الشيعة هم الأغلبية العددية، وتعلم الكثير من أبنائهم وارتقوا طبقياً. هذا فضلاً عن أن مؤسستهم الدينية ظلت خلال عصور الاستبداد هي مرجعيتهم التي يعتصمون بها. ومن الطبيعي والأمر كذلك أن يرحبوا بالانتخابات التي ستكون وسيلتهم "الشرعية" إلى السلطة. فهذا حق طبيعي للأغلبية في كل الأحوال، فضلاً عن أنه تعويض للحرمان التاريخي الذي عانى منه الشيعة في العراق على مر العصور.

إن جزءاً من محنة السنة في العراق أنهم يتشبثون بالأوهام الثلاثة المذكورة، بدلاً من مواجهة الواقع الجديد والاستعداد لأخذ دورهم الطبيعي والعادل فيه. وعلى القيادات السنية العراقية العبئ الأكبر في هذه المواجهة، لا مع الطوائف الأخرى، ولكن مع الحقائق الجديدة. وكلما سارعوا بذلك كلما قلّصوا من أجل المحنة، وحقنوا دمائهم ودماء الآخرين. وعلى القيادات الشيعية والكردية أن تكون أكثر تفهماً وتعاطفاً لهواجس ومخاوف  أبناء وطنهم من العرب السنة. وحبذا لو كانوا الأكثر كرماً في التعامل وعند اقتسام السلطة. ولعل ذلك يكون هو المنقذ من الضلال. والله أعلم.


 

 

 

المرأة فى مصر و العراق

الأخوات المسلمات و انتخابات 2005

د. سعد الدين ابراهيم

ديسمبر 2005

 

رغم كل ما اعتور الانتخابات البرلمانية من عنف وتزوير ، ألا أنها حركت المياة السياسية التى طال ركودها فى مصر المحروسة . وكان من ظواهر هذه الحركة ما أحدثه الاخوان المسلمون من تحديات لنظام حسنى مبارك و لحزبه الوطني الديمقراطي الحاكم ، ولبقية أحزاب المعارضة من أقصى اليمين الى أقصى اليسار . صحيح ان الذين شاركوا فى الانتخابات لم يتجاوزا عشرين بالمائة على المستوى القومي ، وصحيح ان هذه النسبة انخفضت أكثر فى المدن الى أقل من عشرة بالمائة ، بينما تجاوزت الثلاثين فى المائة فى الأرياف . وقد غابت الطبقة الوسطى عن الانتخابات غيابا مريبا ، يهدد التجرية الديمقراطية المصرية ، التى ولدت ولادة قيصرية ، وظهر عليها الكساح منذ البداية. ومن المعروف فى أدبيات العلوم الاجتماعية أن الطبقات الوسطى هى العمود الفقرى لكل الديمقراطيات الواعدة . وبالتالى فإن المشاركة الهزيلة او المعدومة للطبقة الوسطى فى الانتخابات هو فأل سيئ لديموقراطيتنا الوليدة. وهو موضوع فى غاية الخطورة ، ولابد أن نعود اليه فى مقال مستقل فى وقت لاحق.

ولكن فى مقال هذا الأسبوع ، فإننى أريد أن أتناول أحد الظواهر الايجابية فى انتخابات 2005 ، وهى دور السيدات عموما ، ودور النساء المحجبات خصوصا . لقد تجولت ميدانيا فى قرى وحضر محافظة الدقهلية فى المرحلة الثالثة للانتخابات . وفى قرى ميت على ، وشبرا و بدين ، وهى تابعة لدائرة بنى عبيد كان مشهد المدارس التى استخدمت كمراكز اقتراع ، أشبه بأيام الأعياد أو شم النسيم . فقد كان المنظر احتفاليا ، نساء وأطفال وكبار يرتدون ملابس زاهية جديدة ، ربما لقرب المناسبة من عيد الفطر المبارك . وكانت العملية الانتخابية فى هذه القرى الثلاث تمضى بسلاسة وانضباط. وأكد لى القضاة والمستشارون الذين تحدثت اليهم فى عشر لجان بتلك القرى صدق ملاحظتى . وسألت بعضهم عما اذا كانوا فد شاركوا فى الاشراف على انتخابات المرحلتين السابقتين ، وعما اذا كان هناك فروق واختلافات . وذكر منهم من شارك فى محافظة البحيرة وبنى سويف و الجيزة و الغربية ان الأجواء هناك كانت أكثر توترا . لم يكن هناك صفوف أو طوابير خاصة بالرجال و أخرى خاصة بالنساء فى معظم لجان تلك القرى. وكنت - بحكم المهنة كعالم اجتماع – أقوم بإحصاء عدد النساء وعدد الرجال الوافدين على صناديق الانتخاب ، خلال الساعة التى قضيتها فى كل قرية و أثلج صدرى أن الأعداد من الجنسين كانت متقاربة ، أو تميل قليلا لصالح النساء. ولكنى لاحظت أيضا أن معظم هؤلاء النسوة هن من متوسطات العمر – اى فوق الأربعين من أعمارهن وكانت نسبة من هن دون الثلاثين أو فوق الستين محدودة للغاية. وهى ظاهرة تستحق أيضا بعض التفسير. ومبدئيا افترضت ان النساء فى هذا العمر الوسيط (40-60 سنة) قد فرغن من مرحلة الحمل وتربية الأطفال ، وبالتالى أصبحن أكثر حرية وأقل انشغالا بالواجبات المنزلية والتربوية.

أما فى مدينة المنصورة فقد كان المشهد فى عدد من اللجان التى ترددت عليها مختلف تماما : مزيد من التجمهر خارج المدارس أو الساحة الشعبية ، مقار اللجان ، و أجواء متوترة بين الجمهور و قوات الشرطة المسئولة عن حفظ النظام. بالقدر الذى تحدثت فيه مع الناس أو ما سمعته منهم فقط كانت شكاواهم تتمحور حول تنعت الشرطة، ومنعها من دخول المبنى التى توجد فيه اللجان ، إلا لمن معهم بطاقة خضرا ، قيل أنها لأنصار الحزب الوطني. وفى أحد المقرات شهدت بنفسى اشتباكات بعضها بين الناخبين و آخرين قيل أنهم بلطجية ، فقد كانوا يحملون فى أيديهم إما عصا غليظة (شوم) ، او كرابيج ، أو سيوف. وكنت قد قرأت أو رأيت صورا لمثل هؤلاء "البلطجية" فى الجولتين الأولى و الثانية . ولكن اندهشت لرؤيتهم فى الجولة الثالثة ، بعد ما أكد وزير العدل للقضاة أنه ستكون هناك حراسات واجراءات احترازية ضد كل من السلوكيات العدوانية التى سادت فى الجولتين السابقتين . وأغلب الظن أن وزير العدل كان صادقا فيما وعد به. ولكن ما وعد به ، لم يكن هو المسئول عن تنفيذه. فهذه المسئولية تقع على كاهل وزارة أخرى ، غير العدل ، وهى وزارة الداخلية ويبدو أن وزيرها أكد لزميله وزير العدل أنه سيكفل كل ماهو مطلوب لحفظ الأمن والنظام . وهو مالم يحدث ، حيث كنت شاهد عيان فى مدينة المنصورة . ولابد أن وزير العدل يدرك الآن ، وقد انتهت الانتخابات أنه قد غرر به من زميله وزير الداخلية ، ان كان قد وعده فعلا. لقد فقد وزير العدل مصداقيته أمام القضاء ، الذين صدقوه ، ثم تمت اهانتهم والاعتداء عليهم – إما من البلطجية أو من بعض عناصر الشرطة نفسها . ولابد من أن وزير العدل يدرك الآن فى قرار نفسه أن مصر دولة بوليسية ، لا يحكمها القانون ولكن الأجهزة الأمنية والمباحثية.

وضمن مظاهر العنف التى كدت أن أكون أحد ضحاياها ، هو رد الجمهور على ترويع البلطجية بقذفهم بالحجارة و الزجاجات الفارغة، وأحيانا المملوءة بالمياة الغازية . وحتى فى الطابق الثاني ، حيث كانت احدى اللجان طالتنا بعض هذه الحجارة والمقذوفات الزجاجية التى هشمت النوافذ ، واضطررت أنا والقاضى ومساعده الادارى ان نبتعد عن النوافذ لما يقرب من نصف ساعة توقف فيها العمل فى اللجنة ، الى أن استطاع الامن أن يسيطر على الموقف فى الشوارع المحيطة بالمبنى. وعند محاولة الخروج من الباب الخلفى عبر فناء المدرسة فوجئت بمشهد آخر أنسانى ماكدت أتعرض له من اخطار قبل دقائق . كان المشهد هو لسيدات تسلقن سور المدرسة من الخارج ، على سلالم خشبية متحركة ، وينزلن بأصواتهن . وكان معظم هؤلاء السيدات محجبات ، مما يرجح أنهم من مؤيدات وأنصار التيار الاسلامي .

ووقفت أتأمل منظر هؤلاء النسوة المصممات على ممارسة حقوقهن السياسية . وطفت بذاكرتي على الفور مشهد من فيلم شهير عن الثورة الجزائرية ، عنوانه معركة الجزائر(Battle of Algeria  ) حيث غيرت إحدى المناضلات الجزائريات ملابسها – من الزى التقليدي الى الزى الغربي ، وقصت ضفيرتي شعرها – لكى تبدو مثل أى امرأة غربية ، وحتى تتسلل الى أحد الأندية التى تعود الفرنسيون على ارتيادها لتنفيذ أحد العمليات الفدائية ضد جنود الاحتلال . وصور الفيلم كم كان تبديل هذه المرأة الجزائرية لملابسها وشعرها أكثر قسوة وصعوبة على نفسها من تنفيذ العملية العسكرية . أجل بدت أمامى فى ذلك اليوم بمدينة المنصورة هؤلاء الأخوات المسلمات ومن يتسلقن الأسوار بأزيائهن الاسلامية الفضفاضة ، والتى لا تساعد كثيرا على سرعة أو مرونة الحركة، ومع ذلك فهن مصممات على تنفيذ المهمة الانتخابية ، كما لو كانت مهمة عسكرية فدائية ، مثل تلك التى قامت بها جميلة بو حريد قبل خمسين عاما. وفى اليوم التالى سعدت حينما رأيت صور هؤلاء النساء وهن يتسلقن الأسوار على الصفحة الأولى من الهيرالد تريبيون . لقد نجح مندوب هذه الصفحة العالمية أن يأسر المشهد الذى لخص بكثافة منقطعة النظير اصرار نظام مبارك ، رغم كل ادعاءاته ، على حرمان المصريين من ممارسة حقوقهم الانتخابية المشروعة ، وفى المقابل اصرار هؤلاء النسوة ، الأخوات المسلمات ، على انتزاع حقوقهن ولو كره المباركيون.

بعدها بأيام قليلة جاءتنى مراسلة شبكة CNN تسألنى عما سيحدث للمرأة المصرية بعد هذا الصعود السياسي غير المتوقع للإخوان المسلمين ؟ هل سيفقدن حقوقهن السياسية و المهنية و يفرض عليهن البقاء فى المنزل  ؟

فجأة تذكرت ما كنت قد شاهدته فى المنصورة قبل أسبوع و منظر الاخوات المسلمات المتسلقات لأسوار المدارس و المقتحمات للجان الانتخابية . فقلت لمراسلة CNN "لا تقلقى على مستقبل أو حقوق النساء المصريات .. فهن أخوات مسلمات قادرات على حماية هذه الحقوق ، وعلى منازلة أقوى هؤلاء الاخوان الرجال شكيمة و بأسا . حتى لو كان مرشدهم الرياضى السابق مهدى عاكف أو نائبه المتشدد محمد حبيب.

و الله أعلم.

 

 


 

ماذا حدث لحفيدات هدى شعراوي؟

 السافرات .. الكسولات .. الخائفات

د. سعد الدين ابراهيم

ديسمبر 2005

 

حينما واجه المصريون قوات الاحتلال البريطاني في ربيع 1919 خرجت النساء جنباً إلى جنب مع الرجال. وأطلق الإنجليز الرصاص على المتظاهرات. وسقطت أول شهيدة في تاريخ مصر الحديث، وكان أسمها شفيقة بنت محمد. وأشعل استشهادها حماس الرجال والنساء، فاستمروا في تظاهرهم وتصعيد مقاومتهم للاحتلال طوال الأسابيع التالية، وإلى أن أذعنت بريطانيا لأحد مطالب الحركة الوطنية، بالسماح لأعضاء الوفد المصري الذي قاده سعد زغلول بالسفر إلى مؤتمر فرساي للمطالبة بالاستقلال. وهو ما حدث تدريجياً خلال السنوات الأربع التالية. وضمن هذه المسيرة المبكرة حصل المصريون على الاستقلال، في ظل أعظم دساتيرهم على الإطلاق، وهو دستور 1923، الذي ما زلنا نحلم بمثله في مصر المحروسة بعد أكثر من ثمانين عاماً.

المهم، كانت أحداث 1919 هي تدشين لحقبة ليبرالية استمرت إلى عام 1952، وكانت العصر الذهبي لمشاركة النساء والأقباط في الحياة العامة لمصر الحديثة. وتلك هي الحقبة التي شهدت ميلاد الحركة النسائية، التي قادتها هدى شعراوي، والتي كان من مآثرها خلع "البرقع" أو "الحجاب"، وكشف وجوههن، حتى أطلق على حركتهن حركة السفور. وهي نفس الحركة التي ناضلت من أجل حقوق المرأة في كل مجالات الحياة. وضمن ذلك قانون جديد للأحوال الشخصية، بمقتضاه تم تقنين الأحكام الشرعية، التي كانت متروكة لاجتهادات قضاة  شرعيين تقليديين، أو للأعراف المنحازة للرجال على طول الخط.

وظلت النساء المصريات طوال أربعة أجيال تناضلن من أجل توسيع هذه الحقوق. وعرفنا أسماء قيادات نسوية أخرى، غير شفيقة بنت محمد وهدى شعراوي، ومنهن سيزا نبرواي، ونبوية موسى، وليلى موسى، ثم درية شفيق وسهير العلماوي، ونوال السعداوي.

ولكن ثورة يوليو 1952 نكست بالحركة النسائية المصرية، كما نكست بالحركة العمالية والحركة الطلابية وقد فعلت ذلك من حيث بدى وكأن ثورة يوليو تحاول مساعدة هذه الحركات الشعبية.

فكيف حدث ذلك؟

مع الحركة العمالية، مثلاً، قام عمال النسيج في كفر الدوار بمظاهرات نقابية تطالب ببعض الحقوق الاجتماعية، في أوائل عهد الضباط الأحرار، الذين أصبحوا يحكمون مصر. وكأنما أراد الضباط، لا فقط تأديب العمال وترويضهم، ولكن أيضاً تخويف كل الفئات الأخرى. فحاكمت ثورة الضباط القيادات العمالية، أمام محكمة عسكرية، أصدرت أحكاماً قاسية، منها إعدام اثنين من هذه القيادات هما خميس والبقري. ثم فعل الضباط شيئاً مماثلاً، وإن لم يصل إلى الإعدام، بعد ذلك بعام، حينما اعتصمت مجموعة من النساء الناشطات بقيادة د. درية شفيق أستاذة الأدب الفرنسي في كلية الآداب من أجل النص في مشروع الدستور الجديد ـ الذي كان يصاغ في عامي 1953 و1954 ـ على الحقوق النسائية الكاملة للنساء، ومنها حق التصويت وحق الترشيح للمناصب العامة. قام الضباط بفض الاعتصام بالقوة وفرضوا على درية شفيق أن تظل حبيسة منزلها. وأصيبت درية شفيق باكتئاب، أدى بها في النهاية إلى الانتحار، رغم أن الزعيم الهندي جواهرلال نهروا رئيس وزراء الهند، كان قد حاول مراراً التوسط لدى عبد الناصر لفك أسر هذه القيادة النسائية الواعدة. وقد حدث نفس الشيء مع قيادات النقابات المهنية والأحزاب السياسية فتم تجميد، ثم حل الأحزاب عام 1954. وتم تدجين ثم الهيمنة على النقابات المهنية من خلال أمانة المهنيين بهيئة التحرير، ثم الاتحاد القومي، ثم الاتحاد الاشتراكي، الذي تحول بعد ذلك إلى الحزب الوطني الديمقراطي. وضمن هذه الهوجة أو الموجة من تأميم كل العمل العام، وسيطرة الدولة عليه، فقدت الحركة النسائية التي ولدت مع ثورة 1919، زخمها وحيويتها واستقلالها مع ثورة 1952.

صحيح أن ثورة يوليو منحت المرأة مع دستور 1956 كل ما كانت تطالب به القيادات النسوية من هدى شعراوي إلى درية شفيق. ولكنها "اغتصبت" من المرأة "أغلى ما تملك" وهو استقلاليتها. وبالمثل منحت الثورة العمال والفلاحين أكثر مما طلبوا، بل وأكثر مما كانوا يحلمون به من حقوق. ولكنها سلبتهم استقلاليتهم. وهكذا كان منطق وممارسات ثورة يوليو: لا تطالبوا أنتم بشيء .. أنا (الثورة) الذي سأمنحكم في الوقت المناسب، وبالأسلوب والشكل الذي أراه.. وكل ما عليكم إلا أن تنضبطوا، وتصطفوا، وتتحدوا، وتنتظموا، وتعملوا (الاتحاد والنظام والعمل)، ولا دخل لكم بالسياسة، ولا تقتربوا من السلطة. فالسياسة "نجاسة" والسلطة "قداسة". وفسر البعض هذه النزعة عند ثوار يوليو بخلفيتهم العسكرية، التي تعتمد على الضبط والربط والطاعة. ولكن المحللين الأكثر علماً ودراسة، فسروا ما فعله ضباط يوليو بنزعية "فاشية" تعود جذورها إلى إعجابهم المبكر بهتلر وموسليني وفرانكو.

وانطوى ما فعلته ثورة يوليو مع الحركة النسائية وبقية منظمات المجتمع المدني على تأميمها، وتضييق الفضاء العام من حولها، والتحكم حتى في الأنبوب الذي يصل لها الأكسجين، وذلك من خلال ترسانة القوانين المقيدة للحريات العامة، وخاصة للاتحادات والنقابات والجمعيات. وأصبحت الدولة هي المسيطر والمهيمن. فضمرت منظمات المجتمع المدني، ولانت، ثم ضعفت عضلاتها، حتى أصيبت بالكساح أو الشلل.. وحتى حينما أتضح  للدولة أو النخبة الحاكمة من آل مبارك مدى ما ارتكب أسلافهم خلال النصف قرن السابق، وحاولوا أن يحيوا "العظام وهي رميم"، باءت جهودهم بالفشل. من ذلك، مثلاً، المجلس القومي للمرأة، الذي أنشأ بقرار جمهوري، قبل سبع سنوات، لتنشيط الحركة النسائية. ورغم أن مصر شهدت انتخابات برلمانية لدورتين متتاليتين، عامي 2000 و2005، إلا أن المجلس رغم كل الضجيج والبرامج التدريبية التي قام بها، فإنه لم يفلح في تنمية  أو فرز قيادات نسائية قادرة على خوض الانتخابات والفوز بمقاعد برلمانية. وهذا الفشل الذريع للمجلس القومي للمرأة، لا يماثله إلا فشل المجلس القومي لحقوق الإنسان، وللحزب الوطني نفسه، وفي القلب منه لجنة السياسات. وهذا كله لسبب أساسي، وإن كان في غاية البساطة، وهو أن العمل السياسي وتنظيمات المجتمع المدني لا تنشأ بقرارات جمهورية فوقية، وإذا نشأت كذلك فإنها تصبح "كأطفال الأنابيب"، تحتاج إلى رعاية إكلينيكية، مركزة، ومستمرة، حتى تظل على قيد الحياة، ثم تموت في أول اختبار أو امتحان لها خارج "الأنبوب" (أي بعيداً عن الرعاية الحكومية والحماية الأمنية المركزة).

من هنا المقارنة مع "الأخوات المسلمات"، اللائي واجهتن قوات الأمن في انتخابات 2005، ثم التففن حولها، وأحضرن سلالم خشبية، وتسلقن الأسوار المحيطة بمراكز الاقتراع، والهبوط في ساحات هذه المراكز، والإصرار على ممارسة حقوقهن السياسية. فشتان الفارق بين هؤلاء وبين "هوانم" سوزان وفرخندة، اللائي لم يدل معظمهن بأصواتهن في الانتخابات خوفاً من البهدلة وإضاعة "وقتهن الثمين". ومع ذلك فإن هؤلاء الهوانم السافرات، الكسولات هن أنفسهن الخائفات من الأداء الرفيع للإخوان المسلمين في الانتخابات الأخيرة. لقد كتبت إحداهن في روزاليوسف (عدد 9/12/2005) تحت عنوان "الحق قبل ما الدنيا تضلم!" (أي سارع قبل أن تظلم الدنيا). قالت الكاتبة الشابة "لحقت نفسي... وها أعمل اللي أنا نفسي فيه... وها أدلع روحي على الآخر... قبل ما الدنيا تضلم وكل حاجة جميلة تبقى محرمة، ومحظورة، ومراقبة، وممنوعة، وعقوبتها الرجم.. ويتم القبض على الحرية، ويكون مصيرنا جميعاً مقابر جماعية، والنساء أول الضحايا.. ولا نرى إلا مذابح وحرايق وكرابيج ودم وخنازير وأشباح وخفافيش وحديد ونار وسجون وضرب ومشانق وتعذيب.. لازم ألحق نفسي قبل فوات الأوان قبل ما يحكمنا الإخوان"

تعجبت ... وأنا أستعرض شريط التاريخ النسائي المصري الحديث من شفيقة بنت محمد أول شهيدات ثورة 1919، انتهاء بالكاتبة الملتعاه د. منى حلمي التي ترقص كذبيحة من الفرح بعد انتخابات 2005. وتساءلت أيهن الحفيدات الحقيقيات لهدى شعراوي؟ هل هن الناخبات المقتحمات حتى لو كن محجبات، أم هن الكسولات المكتئبات الخائفات، حتى لو كن سافرات؟ والله أعلم


 

يوم وليلة بين النساء العراقيات

د. سعد الدين ابراهيم

ابريل 2005

 

التقيت يومي 12و13 إبريل بمائة وخمسين قيادة نسائية عراقية، في منتجع وادي الإردن، على شاطئ البحر الميت. كان الملتقى الذي بدأ قبل وصولي بيومين معنى بتدارس حاضر ومستقبل العراق. وانشغل هؤلاء النساء بأربعة موضوعات: الدستور الدائم، والبناء الديمقراطي، والأحلام، ودور المرأة في العراق الجديد.

استرعى انتباهي منذ وصلتني الدعوة قبل ثلاثة شهور، المستوى الرفيع لتنظيم المؤتمر فعلى غير عادة الملتقيات العربية ـ الحكومية والأهلية ـ كان مؤتمر القيادات النسوية العراقية محدداً، وهادفاً، ويسير على منهجية واضحة، ويقوم على إشراك كل من حضره في كل أعمال المؤتمر. فحتى العدد المحدود جداً من الرجال الذين تحدثوا كخبراء في بعض الجلسات، مثل عالم الاجتماع العراقـي د. فالح عبد الجبار، ود. هاشم الجزيري، عميد كلية الحقوق بجامعة البصرة، فقد طلب منهم تقديم ملخصات لأوراقهم مقدماً، حتى يتوفر للمشاركات الفرصة للرد عليها، ونقدها، من خلال الخبرات ـ العلمية الميدانية للمشاركات العراقيات، سواء في مقاومة نظام الطغيان البعثي  لصدام حسين (1968-2003) أو كقيادات محلية لتوفير الخدمات للمواطنين في فترة ما بعد انهيار النظام وما سادها من فوضى في شهور الغزو الأمريكي الأولى. فعندما اختفت الدولة العراقية ومؤسساتها انبثقت تلقائياً منظمات المجتمع المدني لتملأ الفراغ ونقصد بذلك تلك المبادرات الأهلية التطوعية التي تنشأ بالإرادة الحرة لأصحابها لتلبية حاجاتهم وحاجات ذويهم والآخرين ممن يعجزون عن ذلك.

والملفت للنظر أن النساء، عادة، هن الأكثر حساسية وإدراكاً بكل الحاجات والاحتياجات في أوقات الأزمات لذلك فهن الأسبق إلى التفكير والتدبير وكما يقول المثل الشائع "إن الحاجة أم الابتكار". من هنا سعت النساء العراقيات، كل بطريقتها الخاصة، ثم بمحاكاة بعضهن البعض. ورغم أن ذلك بدأ بإنشاء الجمعيات والروابط الخيرية الخدمية، إلا أن بعضهن تفرع وتطور من ذلك إلى المنظمات الحقوقية، مثل حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، وحقوق المعاقين، وما إلى ذلك. وهنا يتطور النشاط التطوعي من مجرد تقديم الخدمة بدافع "الخير" و "الرحمة" و "الإحسان"، إلى مستوى "الواجب" والمسئولية الاجتماعية، حتى مع استمرار النشاط تطوعياً. إن هذه المسيرة هي التي أفرزت خلال السنتين التاليتين لحرب العراق (2003-2005) مئات القيادات النسائية المحلية في كل أرجاء العراق. وحسناً فعلت إحدى هذه القيادات ، وهي السيدة زينب السويح، التي لاحظت هذا النمو العضوي التلقائي، فبادرت بالاتصال والتواصل مع مثيلات لها في محافظة البصرة، في أقصى جنوب العراق. ثم بدأت تتجه شمالاً، إلى محافظات وسط العراق، ثم إلى أقصى شماله، كردستان ـ حيث محافظتى السليمانية ودهوك. وكلما وجدت زينب السويح استعداداً وحماساً من هذه القيادات الناشئة للتواصل، نظمت لهن مؤتمراً إقليمياً على مستوى المحافظة. إلى أن تكونت شبكة من أكثر من مائتي تنظيم نسائي غير حكومي، أو ما يطلق عليه مؤخراً منظمات المجتمع المدني.

ومع اقتراب انتخابات الجمعية التأسيسية العراقية التي ستضع الدستور الدائم للعراق، راود بعض الرجال المحافظون نزعاتهم التقليدية في حرمان نساء العراق من حقوقهن السياسية والمدنية المتساوية مع الرجال. فانبرت هذه القيادات النسائية الصاعدة، التي كانت قد ترعرعت سرياً في صمت، في كل أنحاء العراق. واستطعن أن يفرضن بعض حقوقهن. وبالفعل، تم انتخاب حوالي ثلاثين في المائة من أعضاء البرلمان المؤقت من النساء، وسيكون بينهم عدد من الوزيرات في الحكومة المرتقبة، التي سيشكلها إبراهيم الجعفري.

ولكن القيادات النسائية العراقية الجديدة أصبحت واعية  تماماً بنوايا الرجال، خاصة أن التآلف الذي فاز بالأغلبية في الانتخابات الأخيرة (30/1/2005) يقوده حزب الدعوة الإسلامي الشيعي المحافظ. هذا فضلاً عن أن مطالب هذه القيادات النسائية أصبحت تتجاوز الحدود الضيقة لحقوق المرأة. لقد بهرني أن المجموعة التي التقيت بها في الأردن تريد أن يكون الدستور الجديد عادلاً ومنصفاً، لا فقط للمرأة العراقية، ولكن أيضاً لكل الأعراق والقوميات والأقليات التي تعيش على أرض العراق. لذلك أوصت مجموعة العمل الخاصة بالدستور ان تنص مواده صراحة على ذلك ـ أي ان يكون العراق دولة تعددية، فيدرالية، ديمقراطية.

وتوقفت مجموعة عمل الدستور طويلاً أمام المادة الخاصة بالدين والإسلام والشريعة. وكانت الأغلبية تميل صراحة إلى النص على فصل الدين عن الدولة. إلا أن إصرار الأقلية (خمسة من عشرين، أي 25%)، جعل المجموعة، ثم المؤتمر يقبل صياغة توفيقية، مفادها "الإسلام دين الأغلبية في العراق، والأديان السماوية جميعاً مصادر رئيسية لقيم المجتمع وتشريعاته".

وهو ـ في رأيي ـ نص عبقري، لا يصادر لا على حقوق الأغلبية المسلمة، ولا على حقوق أبناء الديانات الأخرى. وحبذا لو اعتمدت هذه الصيغة في دساتير البلاد العربية الأخرى ذات الأغلبية المسلمة، ومنها مصر، بدلاً من المادة التي تنص، على أن "الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع". ففضلاً عن أنها مادة لم تطبق منذ تم إدراجها في دستور 1971، وهي غير قابلة للتطبيق في كل الأحوال، فإن المادة بنصها الحالي تثير مخاوف المصريين الأقباط وقطاع واسع من النساء المسلمات والمسلمين المدنيين. كما أن عدم تطبيقها يعطي ذريعة للمتشددين الإسلاميين في التهجم على الدولة لعدم احترام الدستور.

بعكس معظم التجمعات السياسية "الذكورية" العراقية هذه الأيام، والتي يقاطعها العراقيون العرب من المسلمين السُنة، فإن ملتقى القيادات النسوية العراقية، في وادي الأردن كان ممثلاً لكل ألوان الطيف العراقي: شيعيات، سُنيات، وصابئات، ومسيحيات (من كل الطوائف) وكرديات (سُنيات وشيعيات). وكان ثلث المشاركات تقريباً محجبات ولكن ذلك لم يمنع معارضتهن لإقحام الدين في السياسة وإقحام السياسة في الدين. كذلك لم يمنعهن الحجاب عن المشاركة في الرقصات الشعبية العربية والكردية في الحفل الختامي للمؤتمر. لقد كانت النساء العراقيات من كل الأعمار (من العشرين إلى الستين) فخورات بما أنجزن في مسيرة عراق المستقبل، وكن أكثر تصميماً وتفاؤلاً على صياغة عراق المستقبل.

فرغم الجراح التي ما زالت تنزف، إلا أن ذلك، كما تقول زينب السويح، هو "مخاض الميلاد الجديد" والله أعلم.

 

 

Libyan Tmazight Congress

P.O.Box 174, Middlesex UB2 5QF, England

Tel: +44 7719729655

Libyan_tmazight_congress@yahoo.com

alt@alt-libya.org